الصفحة 18 من 47

مِنْ خَبَرِ صَاحِبِكُمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا لَاعَنَ قَوْمٌ نَبِيّا قَطّ فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ وَلَا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، وَإِنّهُ لَلِاسْتِئْصَالُ مِنْكُمْ إنْ فَعَلْتُمْ، فإنَّ كُنْتُمْ قَدْ أَبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكُمْ، وَالْإِقَامَةَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْقَوْلِ فِي صَاحِبِكُمْ، فَوَادِعُوا الرّجُلَ ثُمّ انْصَرِفُوا إلَى بِلَادِكُمْ. فَأَتَوْا رَسُولَ اللّهِ (.

فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ قَدْ رَأَيْنَا أَلّا نُلَاعِنَك، وَأَنْ نَتْرُكَك عَلَى دِينِك وَنَرْجِعَ عَلَى دِينِنَا، وَلَكِنْ ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِك تَرْضَاهُ لَنَا، يَحْكُمْ بَيْنَنَا فِي أَشْيَاءَ اخْتَلَفْنَا فِيهَا مِنْ أَمْوَالِنَا، فإنَّكُمْ عِنْدَنَا رِضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: ائْتُونِي الْعَشِيّةَ أَبْعَثْ مَعَكُمْ الْقَوِيّ الْأَمِينَ. ثم أرسل معهم النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرّاحِ [1] .

وقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه أمر الملاعنة فعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ جَاءَ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ صَاحِبَا نَجْرَان إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - (َ -يُرِيدَانِ أَنْ يُلَاعِنَاهُ قَالَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ لَا تَفْعَلْ فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَّا لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا قَالَا إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا وَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا وَلَا تَبْعَثْ مَعَنَا إِلَّا أَمِينًا فَقَالَ لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ فَاسْتَشْرَفَ لَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمفَقَالَ قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ فَلَمَّا قَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمهَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ [2] . هذا ما ثبت في الحديث الصحيح من قصة وفد نَجْرَان ودعوتهم إلى المُبَاهَلَةِ، والمباهلة هي أن يجتمَعَ الفريقان المتنازعان ويدعوان على الكاذب باللعنة من الله.

وقد ذكر ابن إسحاق أيضا أن الْيَهُود والنَصَارَى اجْتَمَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَتَنَازَعُوا، فَقَالَتْ الْأَحْبَارُ مَا كَانَ إبْرَاهِيمُ إلّا يَهُودِيّا، وَقَالَتْ النَصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَان: مَا كَانَ إبْرَاهِيمُ إلّا نَصْرَانِيّا. فأنزل اللّهُ - عَزّ وَجَلّ - فِيهِمْ (يَا أَهْل الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التّوْرَاةُ

(1) ذكر ابن إسحاق قصة وفد نَجْرَان مطولة كما في سيرة ابن هشام بعضها معلق بدون إسناد وبعضها بسند منقطع وبعضها بسند متصل ضعيف، وذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق من رواية يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير وهو ثقة ممن عاصروا صغار التابعين فهي ضعيفة لانقطاع الإسناد، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (7/ 263 وما بعدها) من رواية البيهقي في دلائل النبوة ومن رواية بن إسحاق وذكرها بن الأثير في أسد الغابة من رواية إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق بسند ضعيف. (ترجمة كوز بن علقمة رقم(4510) (4/ 475) وبالجملة فلم أقف على سند صحيح لرواية قصة وفد نَجْرَان ومجادلتهم للنبي صلى الله عليه وسلم المطولة، لكن مما لا شك فيه أن نَصَارَى نَجْرَان قد أتوا إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وجادلهم في عقيدتهم، ودعاهم إلى الإسلام يدل على ذلك خبر المباهلة الثابت في صحيحي البخاري ومسلم، ولا شك أن هذه المباهلة لا يمكن أن تكون لابتدأ الدعوة، فلا شك أنه قد سبقها حوارات ومجادلات بينهم وبين النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم انتهت بعدم قبولهم الإيمان والامتناع عن المباهلة، وطلب رجل أمين يحكم بينهم في أمور اختلفوا فيها، ومما يؤيد وقوع مثل هذه الحوارات ما ورد في سورة آل عمران من مناقشات لعقيدة النَصَارَى ورد على أقوالهم ودعوتهم إلى المُبَاهَلَةِ، لكننا لا نجزم أنها نزلت بشأن هذا الوفد خاصة، والله أعلم بحقيقة ما كان.

(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب قصة أهل نَجْرَان، (ج 7/ 695) (ح 4380) ، و مسلم في صحيحه باب فضائل أبي عبيدة (15/ 192) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت