وقال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ( [آل عمران:20] . ... لقد كانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ترجمةً واقعيةً لما أمر الله (به من دعوة أَهْل الْكِتَابِ إلى الإسلام وجدالهم عليه، فقد حاور صلى الله عليه وسلم نَصَارَى نَجْرَان، ودعاهم إلى التوحيد ونبذ الشرك، وأقام الحجة على بطلان عقيدتهم، ورد ما احتجوا به عليها من شبهات، كما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم الكتب إلى ملوك أهل الأرض - ومنهم أَهْل الْكِتَابِ - تلبية لأمر الله تعالى يدعوهم إلى الإسلام، كما قالصلى الله عليه وسلم في رسالته لهرقل ملك الروم «فإني أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فإنَّ تَوَلَّيْتَ فإنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ» .
وبذلك كان صلى الله عليه وسلم يوصي رسلَهُ فلمَّا أرْسلَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إلى أن يوحدوا الله» " [1] ."
كما كان رسول الله يغشى أَهْل الْكِتَابِ في مجالسهم يدعوهم إلى الإيمان بالله ويجادلهم في ذلك، وقد سبق بيان أنَّه دخل على الْيَهُود كنيستهم يوم عيد لهم فقال:"يَا مَعْشَرَ الْيَهُود أَرُونِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا يَشْهَدُونَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ"، وأنَّه صلى الله عليه وسلم دخلَ بَيْت الْمِدْرَاسِ فَنَادَاهُمْ فقائلا: «يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا» .
2 -الدعوة إلى الإيمان بالنَّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - واتباعه:
فمن لوازم الإيمان بالله تعالى الإيمان بالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، وأنَّهُ بُعِثَ بالإسلام، وأنَّ الإسلام نَسَخَ ما سبقه من الشرائع، وقد أخذ اللهُ العَهدَ على الأنبياءِ السَّابقين وأتباعهم باتباعه حين بعثته، قال الله - (-: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِين (َ
وكان أَهْل الْكِتَابِ كما سبق يعلمون بمبعثه صلى الله عليه وسلم وعندهم من العلم بصفاته، فيما هو بين أيديهم من كتبهم ما يؤكد صحة نبوته، كما سبق بيان ذلك قال الله (: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ (أي يعرفون أنه رسول الله. وقال أيضا: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (( لأعراف:157) .
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب باب ما جاء في دعاء النَّبِيّ صلى الله عليه و سلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى (13/ 359) (7372) ، وبنحوه مسلم كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (1/ 196) .