الصفحة 8 من 47

فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ ثُمّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إذَا سَأَلَكُمْ عَنْهُ؟

قَالُوا: نَقُولُ وَاَللّهِ مَا قَالَ اللّهُ وَمَا جَاءَنَا بِهِ نَبِيّنَا، كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ.

فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُمْ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؟

فَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: نَقُولُ فِيهِ الّذِي جَاءَنَا بِهِ نَبِيّنَا صلى الله عليه وسلم

يَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ.

قَالَتْ فَضَرَبَ النّجَاشِيّ بِيَدِهِ إلَى الْأَرْضِ فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا، ثُمّ قَالَ وَاَللّهِ مَا عَدَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ

فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ.

فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ وَاَللّهِ اذْهَبُوا فأنتم شُيُومٌ بِأَرْضِي - وَالشّيُومُ الْآمِنُونَ - مَنْ سَبّكُمْ غَرِمَ ثُمّ قَالَ مَنْ سَبّكُمْ غَرِم، مَنْ سَبّكُمْ غَرِمَ. مَا أُحِبّ أَنّ لِي دَبَرًا مِنْ ذَهَبٍ وَأَنّي آذَيْت رَجُلًا مِنْكُمْ رُدّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا، فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا، فَوَاَللّهِ مَا أَخَذَ اللّهُ مِنّي الرّشْوَةَ حِينَ رَدّ عَلَيّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرّشْوَةَ فِيهِ وَمَا أَطَاعَ النّاسَ فِيّ فَأُطِيعَهُمْ فِيهِ. قَالَتْ فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ خَيْرِ جَارٍ. [1]

لما خرج المسلمون إلى الحبشة خوفا من الفتنة في دينهم بسبب إيذاء قومهم لهم، ورغبة في إقامة دينهم، أرسلت قريش عَبْدِ اللّهِ بْن أَبِي رَبِيعَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رغبة في ردهم فكان هذا الحوار بين النجاشي وعمرو بن العاص من جهة، وبين النجاشي والْمُسْلِمِينَ وخطيبهم جعفر بن أبي طالب.

هذا الحوار يدل على ثبات المبدأ، والإخلاص في المعتقد عند المحاورين الْمُسْلِمِينَ، هذا الثبات الذي لا يغيره موقف، فعلى الرغم من ضعفهم المادي وحاجتهم إلى ملك الحبشة، وما يمكن أن يترتب على غضبه عليهم، وإغضاب من حوله من القساوسة من إرجاعهم إلى قومهم وفتنتهم، لكنهم لم يخافوا، ولم يرهبوا، ولم يداهنوا في الحق، الذي تحملوه، فجهروا بكلمة الحق، وتحملوا تبعاتها، فكانت النتيجة اقتناع الطرف الآخر، وهو النجاشي بدينهم، ففازوا من ناحيتين:

الأولى: بإبلاغ دعوتهم للنجاشي، ووقوفه على صدق دعوة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ثم دخوله في الإسلام، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه أسلم، وأنه لما مات صلى عليه النَّبِيّ - (وأصحابه، وطلب منهم أن يستغفروا له. [2]

(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند مسند جعفر ابن أبي طالب (3/ 263) (ح 1740) عن أم سلمة من طريق محمد ابن إسحاق، وإسناده حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين غير محمد ابن إسحاق صدق إلا أنه مدلس وقد صرح بالسماع

أخرجه ابن هشام في السيرة (1/ 334 - 337) ، وانظر الألباني السلسلة الصحيحة (7/ 577) (ح 3190) ..

(2) أخرجه البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب موت النجاشي (7/ 230) (ح3877 - 3881) ، مسلم، كتاب الجنائز، باب التكبير على الجنازة (7/ 21) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت