قوله تعالى:
4 - (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) [1] الآية تدل على وجوب التوخي والاحتياط لما يتوقع ويخشى من المفاسد.
وتدل على وجوب المبادرة إلى منع المفاسد وهي في مهدها أو في مراحلها الأولى، وهذا يفرض على المسلمين أن يكون سلوكهم العام مطبوعًا بهذا الطابع، وهو طابع اليقظة والاحتياط والوقاية والمبادرة [2] ويحذرهم من مغبة الغفلة وسوء النظر في العواقب.
5 -ما رواه البخاري ومسلم وغيرها عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس؛ فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات؛ فقد وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه؛ آلا وإن لكل ملك حمى؛ ألا وإن حمى الله محارمه؛ ألا وأن في الجسد مضغة؛ إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب [3]
قال البغوي رحمه الله تعالى: (( هذا الحديث أصل في الورع، وهو أن ما اشتبه على الرجل أمره في التحليل والتحريم، ولا يعرف له أصل؛ فالورع أن يجتنبه ويتركه، فإنه إذا لم يجتنبه، واستمر عليه، واعتاده جره ذلك إلى الوقوع في الحرام [4]
6 -ما رواه الترمذي والنسائي رحمهم الله تعالى عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قال: حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) [5]
فقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإجتناب ما يرتاب المكلف في أمره وتضطرب نفسه بشأنه، والاستعاضة عنه بما هو حلال خالص؛
وبذلك يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد رسم أمام المتورعين منهجًا يتعاملون به مع كل ما يشكل عليهم، ولا يستطيعون الوقوف على حقيقة حكم الشرع فيه، وهو.
(1) سورة الأنفال الآية 58.
(2) الريسوني (نظرية التقريب والتغليب: ص418.
(3) البخاري: 1/ 126 ومسلم: 1599 باب أخذ الحلال وترك الحرام من كتاب المساقاه
(4) البغوي (شرح السنة) 8/ 13.
(5) الترمذي - كتاب صفة القيامة والرقائق والورع باب رقم 2518، (4/ 668) الألباني - ارواء الغليل (1/ 44) .