وإن تقدم يقين وطرأ شك وليس لما فيه علامة جليه ولا خفية؛ فعند ذلك تأسيس الشرع على التعلق بحكم ما تقدم، وهذا نوع من الاستصحاب صحيح، وسببه ارتفاع العلامات [1]
وقال ابن عاشور: (ومن حق الفقيه - مهما لاح له ما يوهم جعل الوهم مدرك شرعي - أن يتعمق في التأمل عسى أن يظفر بما يزيل ذلك الوهم، ويرى أن ثمة معنى حقيقيًا هو مناط التشريع قد قارنه أمر وهمي، فغطى عليه في نظر عموم الناس؛ لأنهم ألفوا المصير إلى الأوهام [2]
الشرط الثاني - عدم مخالفة المنصوص عليه.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
وينبغي أن يعلم أن الاحتياط الذي ينفع صاحبه؛ ويثيبه الله عليه؛ الاحتياط في موافقة السنة وترك مخالفتها، فالاحتياط كل الاحتياط في ذلك وإلا فما احتاط لنفسه من خرج عن السنة بل ترك حقيقة الاحتياط في ذلك [3] .
ومن أمثلة ما قد يحسنه العقل من صنوف الاحتياط ويحيل إلى العمل به، مع مخالفته لظاهر المنقول ما ذهب إليه بعض الفقهاء من أن الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بأبعد الأجلين احتياطًا [4]
ووجه الاحتياط في ذلك هو الجمع بين قوله تعالى (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) [5] وقوله (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) [6]
الشرط الثالث - انتفاء البديل الشرعي:
روى الشيخان عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه قال:
شكي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) [7] فقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - المتطهر إذا طرأ عليه الشك في انتقاض طهارته أن
(1) الجويني (البرهان) : (2/ 738) .
(2) ابن عاشور (مقاصد الشريعة) ص/256.
(3) ابن القيم (اغاثة اللهفان(1/ 162) .
(4) ابن قدامة (المغني) (8/ 95) .
(5) سورة البقرة، الأية: (242) .
(6) سورة الطلاق: الآية: (4) .
(7) البخاري - كتاب الوضوء 137، (1/ 64) .