الصفحة 41 من 74

فأخبره أنه رآه، ولا يقدح في هذا أثر عائشة رضي الله عنها. لأنها لم تخبر أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لم أر ربي، وإنما ذكرت متأولة لقول الله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجبا أو يرسل رسولًا) . [سورة الشورى: 51] ولقول الله تعالى: (لا تدركه الأبصار) [سورة الأنعام: 103] والصحابي إذا قال قولًا وخالفه غيره منهم، لم يكن قوله حجة.

فإذا صحت الروايات عن ابن عباس في إثبات الرؤية، وجب المصير إلى إثباتها، فإنها ليست مما يدرك بالعقل ويؤخذ بالظن، وإنما يتلقى بالسماع ولا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس أنه تكلم في هذه المسألة بالظن والاجتهاد ثم إنه اثبت شيئًا نفاه غيره، والمثبت مقدم على النافي.

فالحاصل: أن الراجح عند أكثر العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء لما تقدم، ثم إن عائشة رضي الله عنها لم تنف الرؤية بحديث، ولو كان معها فيه حديث لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات. فأما احتجاجها بآية: (لا تدركه الأبصار) .

فجوابه: أن الإدراك هو الإحاطة والله لا يحاط به، ولا يلزم من نفى الإحاطة نفي الرؤية بلا إحاطة. وأما احتجاجها بأية: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا) .

فجوابه: أنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية. فيجوز حصول الرؤية بلا كلام، أو أنه عام مخصوص بما تقدم من الأدلة.

وكل ما تقدم أخبر به الصادق الأمين محمد صلى الله عليه وسلم. والعقل يجوزه، فيجب الإيمان به من غير بحث في حقيقته، ومن أخل بشيء مما ذكر، فسيرى جزاء تفريطه يوم الحساب والعرض على رب الأرباب.

والله تبارك وتعالى أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت