أخبر سبحانه أنه كره ابنعاثهم إلى الغزو مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو طاعة، فلما كرهه منهم ثبطهم عنه، ثم ذكر سبحانه بعض المفاسد التي تترتب على خروجهم مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: (لو خروجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا) أي فسادًا وشرًا.
(ولأوضعوا خلالكم) .
أي سعو بينكم بالفساد والشر.
(يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم)
أي قابلون منهم مستجيبون لهم فيتولد ممن سعى هؤلاء وقبول هؤلاء من الشر ما هو أعظم من مصلحة خروجهم فاقتضت الحكمة والرحمة أن أقعدهم عنه.
ولا يقال: إذا كان الكفر بقضاء الله وقره ونحن مأمورين أن نرضي بقضاء الله، فكيف ننكره ونكره؟ نقول: أولًا: نحن غير مأمورين بالرضا بكل ما يقضيه الله ويقدره، ولم يرد بذلك كتاب ولا سنة، بل من المقتضى ما يرضي به، ومنه ما يسخط ويمقت.
ثانيًأ: هناك أمران: قضاء الله، وهو فعل قائم بذات الله تعالى.
ومقضى وهو المفعول المنفصل عنه المتعلق بالعبد المنسوب إليه.
فالقضاء كله خير وعدل وحكمة نرضى به كله والمقضى قسمان: منه ما نرضي به، ومنه ما لا نرضي به.
فمثلًا: قتل النفس له اعتباران،
فمن حيث قدره الله وكتبه وشاءه وجعله أجلًا للمقتلو ونهاية لعمره نرضى به.
ومن حيث صدر من القاتل وباشره وكسبه وأقدم عليه بأختياره وعصى الله بفعله نسخطه ولا نرضى به.
فهذا جملة ما يحتاج إليه ـ في القضاء والقدر ـ من نور الله قلبه من المؤمنين الراسخين في العلم، فإن العلم علمان معروف للخلق وغير معروف لهم.
فالمعروف: علم الشريعة الذي جاءت به الرسل جملة وتفصيلا، أصولًا وفروعًا.
فمن أنكره كان من الكافرين.
وغير المعروف: علم القدر الذي أخفاه الله عن خلقه ونهاهم عن البحث فيه.
فمن ادعى معرفته وترك العمل بظاهر الشريعة اعتمادًا على ذلك فهو من الخاسرين، فالمؤمن الصادق هو الذي يعمل بما جاء به الرسول ـصلى الله عليه وسلم ـ ويفوض علم القضاء والقدر إلى الله عز وجل.