ومنها: حصول الطاعات المتنوعة التي لولا خلق إبليس لما حصلت
فإن طاعة الجهاد من أحب أنواع الطاعة، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه الطاعة، وتوابعها من الموالاة لله تعالى والمعاداة فيه، وطاعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومخالفة الهوى، وإيثار محاب الله تعالى والتوبة والاستغفار والصبر، والاستعاذة بالله أن يجيره من عدوه ويعصمه من كيده وأذاه إلى غير ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن إدراكها.
هذا وأعلم أن الله تعالى لم يخلق شرًتامحضًا من جميع الوجوه فإن حكمته تأبي ذلك، فلا يمكن في جانبه تعالى أن يريد شيئًاا يكون فسادًا من كل وجه لا مصلحة في خلقه بوجه ما، فإنه تعالى بيده الخير كله، والشر ليس إليه، بل كل ما إليه فخير، والشضر إنما حصل لعدم النسبة إليه، فلو كان إليه لم يكن شرًا وهو من حيث نسبته إليه تعالى خلقًا ومشيئته ليس بشر، والشر الذي فيه من عدم امداده بالخير وأسبابه، والعدم ليس بشيء حتى ينسب إلى من بيده الخير.
وبهذا يظهر رد الله تعالى على المشركين، بقوله: (سيقول الذين اشتركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا باسنا) .
وإيضاح ذلك أن أسباب الخير ثلاثة: الإيجاد والإعداد والإمداد.
فإيجاد الشيء خير وهو إلى الله، وكذلك إعداده وإمداده.
فإذا لم يحدث فيه إعداد ولا إمداد، حصل فيه الشر.
وهذا يسمى بالتخلية أي إن خلى الله بين العبد وبين نفسه ولم يمده بأسباب الوقاية من الشر وقع فيه، فإن قيل: كيف يرضى لعبده شيئًا ولا يعينه عليه؟
قيل: لأن إعانته عليه قد تستلزم فوات محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة التي رضيها له، وقد يكون وقوع تلك الططاعة منه يتضمن مفسدة هي أكره إليه تعالى من محبته لتلك الطاعة، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم) .