ولم ينقل القول بتقديم القياس على خبر غير الفقه عن أصحابنا، بل المنقول عنهم أن خبر الواحد مقدَّمٌ على القياس ولم ينقل التفضيل، ألا ترى أنهم عملوا بخبر أبي هريرة - رضي الله عنه - في الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا، وإن كان مخالفا للقياس حتى قال أبو حنيفة - رضي الله عنه: لولا الرواية لقلت بالقياس، وثبت عنه أنه قال: ما جاءنا عن الله وعن رسوله فعلى الرأس والعين، ولم ينقل عن أحد من السلف اشتراط الفقه في الراوي فثبت أن هذا القول مستحدث، وأجاب عن حديث المصراة والعرية وأشباههما فقال: إنما ترك أصحابنا العمل بها لمخالفتها الكتاب أو السنة المشهورة لا لفوات فقه الراوي. قال الحصكفي (1) : (( على أن الحق تقديمه عندنا على القياس مطلقًا ) ).
أنه لا يُسلَّم أن أبا هريرة - رضي الله عنه - لم يكن فقيهًا، بل كان فقيهًا، ولم يعدم شيئًا من أسباب الاجتهاد، وقد كان يفتي في زمان الصحابة، وما كان يفتي في ذلك الزمان إلا فقيه مجتهد، وكان من عِلية أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهم، وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - له بالحفظ، فاستجاب الله تعالى له فيه، حتى انتشر في العالم ذكره وحديثه، فلا وجه إلى رد حديثه بالقياس (2) ، قال عبد العزيز البخاري (3) : (( إنا لا نسلم أن أبا هريرة لم يكن فقهيًا... ) )، ومثله ابن ملك (4) ، وجزم بذلك ابن الهمام (5) وقال ابن أمير حاج (6) : (( هذا هو الصحيح ) ).
(1) في إفاضة الأنوار ص181.
(2) ينظر: كشف الأسرار للبخاري 2: 383-384، وشرح ابن ملك 2: 2626، وإفاضة الأنوار 179-180، ونسمات الأسحار ص179-180، والوافي 2: 1105-1113، والإنصاف للدهلوي ص91.
(3) في كشف الأسرار 2: 384.
(4) في شرحه على المنار 2: 626.
(5) في التحرير 2: 251.
(6) في التقرير والتحبير 2: 251.