المبحث الثالث
موضوع علم الأصول واستمداده
وفائدته وغايته ومصادره
بعد أن تعرفنا في المبحثين السابقين على معنى أصول الفقه في اللغة والاصطلاح والفرق بينه وبين الفقه والنشأة التاريخية التي مر بها وطرق التأليف فيه وأهم المؤلفات فيه فإننا في هذه الوحدة سنتعرف على موضوعه واستمداده وفائدته وغايته ومصادره في المطالب التالية:
المطلب الأول: موضوع علم أصول الفقه:
الدليل السمعي الكلي من حيث يوصل العلم بأحواله إلى قدرة إثبات الأحكام لأفعال المكلفين أخذًا من مشخصاته (1) ؛ إذ يبحث في الكتاب والسنة والإجماع والقياس من حيث استناد الأحكام الشرعية إليها، واستنباطها منها (2) ، وبيان ذلك أن موضوعه:
الأدلة الشرعية من حيث ذاتها: أي حيث كونها حجة قطعًا أو ظنًا، وغير حجة.
ما يثبت من الأدلة الشرعية من الأحكام: كالوجوب والتحريم والندب والكراهة وغيرها.
طرق الاستنباط من الأدلة الشرعية: كالبحث عن دلالة العام، والأمر، والنهي، وغيرها.
المستنبط من الأدلة الشرعية: أي المجتهد (3) .
وبذلك يتبيَّن أن موضوعه هو الأدلة الشرعية والأحكام (4)
(1) ينظر: فتح الغفار 1: 9.
(2) ينظر: الوجيز للكراماستي ص3.
(3) ينظر: تيسير الأصول ص21.
(4) ذهب الآمدي وجماعة من الأصوليين إلى أن موضوع أصول الفقه الأدلة وحدها، فلا يبحث في هذا الفن قصدًا عن الأحكام، وإنما يبحث عنها ويحتاج إلى تصورها لإمكان إثباتها أو نفيها، وذلك لأن الأدلة الشرعية الكلية هي المقصودة من حيث إثباتها للأحكام، أما البحث في الأحكام وكونها تكليفية أو وضعية، والبحث عن متعلقاتها وهي الحاكم والمحكوم عليه وهو المكلف، والمحكوم فيه: وهو فعل المكلف فيكون من باب الاستطراد، ويكون ذكرها على أنها توابع لمسائل العلم لا أنها من موضوعه، ذلك لأن الأحكام هي ثمرة الدليل، وثمرة الشيء تكون تابعة له، وتابع الشيء لا يكون له من الأصالة مثل المتبوع.
وذهب صدر الشريعة وغيره إلى أن موضوع أصول الفقه: الأدلة ومتعلقاتها كالاستصحاب والاستحسان، والأحكام وما يتعلق بها: كالحاكم والمحكوم عليه والمحكوم فيه، وعلى هذا تكون الأحكام ليست تابعة ولا لاحقة؛ إذ أن البحث في هذا العلم شامل للبحث في الأدلة من حيث إثباتها للأحكام، والبحث عن الأحكام من حيث ثبوتها بالأدلة، ولا مرجح لأحدهما على الآخر، حتى نحكم بأن أحدهما له أصالة وأن للآخر تابع. ينظر: أصول الفقه لأبي العينين ص36.