الباب الثالث
الأصول الفقهية المختلف فيها
المبحث الأول
تمهيد:
يقسم القياس من حيث جلاؤه وغموضُه إلى قسمين:
القياس الجلي: وهو ما تبادرت أفهام المجتهدين إلى وجهه وعلته، وإذا أطلق لفظ القياس ينصرف إليه.
القياس الخفي: وهو ما لا تنتقل أفهام المجتهدين إلى وجهه وعلته إلا بعد البحث والتأمل، ويسمونه الاستحسان.
وقد اشتهر عن الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - أخذه بالاستحسان حتى امتلأت كتب الحنفية به، ويجعل في غالب الأحيان مقابلًا للقياس، فيقولون: القياس يقتضي الحظَر، والاستحسان يقتضي الإباحة، فيتخذ دليلًا شرعيًا يعارض دليلًا شرعيًا مثله ويرجَّح عليه (1) ، وتفصيل ما يتعلَّق بتعريف الاستحسان وأنواعه ووجوهه في النقاط التالية:
أولًا: تعريفه:
لغة: وجود الشيء حسنًا، يقول الرجل: استحسنت كذا: أي اعتقدته حسنًا على ضد الاستقباح (2) ، أو معناه طلب الأحسن للاتباع الذي هو مأمور به (3) ، كما قال - جل جلاله: { فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } (4) ، فالقرآن كله حسن، ثم أمر باتباع الأحسن (5) .
اصطلاحًا: عدولُ المجتهد عن قياس جلي إلى قياس خفي، أو عدول المجتهد عن حكم كلِّي إلى حكم استثنائي بدليل انقدح في عقله رجح له هذا العدول (6) .
ثانيًا: نوعي الاستحسان عند الفقهاء:
(1) ينظر: أصول الفقه لشاكر بك ص337، والمدخل لدارسة الفقه ص128.
(2) ينظر: لسان العرب 2: 887، والمدخل إلى الفقه وأصوله ص69.
(3) ينظر: أصول السرخسي 2: 200.
(4) الزمر: 17-18.
(5) ينظر: المبسوط 10: 145.
(6) ينظر: المدخل إلى الفقه وأصوله ص69.