العمل بالاجتهاد وغالب الرأي في تقدير ما جعله الشرع موكولًا إلى آرائنا نحو: المتعة المذكورة في قوله - جل جلاله: { مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ } (1) ، أوجب ذلك بحسب اليسار والعسرة، وشرط أن يكون بالمعروف، فعرفنا أن المراد ما يعرف استحسانه بغالب الرأي. وكذلك قوله - جل جلاله: { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف } (2) ، ولا يظنّ بأحد من الفقهاء أنه يخالف هذا النوع من الاستحسان.
الدليل الذي يكون معارضًا للقياس الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل إمعان التأمل فيه، وبعد إمعان التأمل في حكم الحادثة وأشباهها من الأصول يظهر أن الدليلَ الذي عارضه فوقه في القوة، فإن العمل به هو الواجب فسمَّوا ذلك استحسانًا؛ للتمييز بين هذا النوع من الدليل وبين الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل التأمل على معنى أنه يمال بالحكم عن ذلك الظاهر لكونه مستحسنًا؛ لقوة دليله.
واستعمال علمائنا عبارة القياس والاستحسان للتمييز بين الدليلين المتعارضين، وتخصيص أحدهما بالاستحسان؛ لكون العمل به مستحسنًا؛ ولكونه مائلا عن سنن القياس الظاهر، واستحسان العمل بأقوى الدليلين لا يكون من اتباع الهوى وشهوة النفس في شيء (3) .
قال السَّرَخْسيّ (4) : (( القياس والاستحسان في الحقيقة قياسان: أحدهما جليّ ضعيف أثره فسمِّي قياسًا، والآخر خفي قوي أثره، فسمِّي استحسانًا: أي قياسًا مستحسنًا، فالترجيح بالأثر لا بالخفاء والظهور: كالدنيا مع العقبى، فإن الدنيا ظاهرة والعقبى باطنة، وترجحت بالصفاء والخلود، وقد يقوى أثر القياس في بعض الفصول فيؤخذ به ) ).
ثالثًا: وجوه الاستحسان:
(1) البقرة: من الآية236.
(2) البقرة: من الآية233.
(3) ينظر: أصول السرخسي 2: 200-201.
(4) في المبسوط 10: 145.