المبحث الثاني
تاريخ علم الأصول وتطوره
وأهم المؤلفات فيه وطرق التأليف
تمهيد:
بعد العرض المستفيض في المبحث السابق لمعنى أصول الفقه فإنه يمكننا القول: إنه عبارة عن القواعد والأسس الكلية المرتكزة في الذهن والتي يحتكم إليها المجتهد في استخراج الأحكام من الأدلة الجزئية.
وهي تمثل المناهج التي سار عليها المجتهدون من الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين والأئمة المجتهدين في اجتهادهم: أي القواعد التي احتكموا إليها في أذهانهم عند استخراجهم للأحكام من أدلتها (1) .
فأصول المجتهد هي المنهج والخطّة التي اتبعها فقيه ما في مجال استنباطه للأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية...
ومن ثم ينبغي أن يفهم أنه ليس معنى عدم تسجيل الفقهاء لخططهم تفصيلًا أنه لم يكن لهم خطط أصولية أصلًا؛ لأن أحكامهم لم تكن قائمة على مجرد الهوى، وإنما قامت على أصول وقواعد قيدوا بها أنفسهم فلم يخرجوا عن حدودها، بدليل اتحاد أحكام المسائل عند تساويها في المناط أو الحكمة، وليس يلزم عدم نقل تلك الأصول والقواعد أنها لم تكن مستقرة في نفوسهم ملحوظة عند استنباطهم...؛ لأنه لا يتصور جهودًا عقلية بدون منهج في التفكير (2) ، فحينئذ نقول: إن منهج أو أصول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - تعني الخطّة التي مشى عليها في استخراج الأحكام.
ففي هذا المبحث سنعرض لنشأة علم الأصول والمراحل التي مَرَّ بها حتى نضج ووصل إلى ما وصل إليه الآن، مع أبرز الكتب فيه ومناهج أصحابها فيها، وذلك من خلال المطالب التالية.
المطلب الأول: أصول الفقه في العهد النبوي:
(1) ينظر: المنهج الفقهي للإمام اللكنوي ص17، ومنهج النقد التاريخي والمنهج الغربي ص14-15.
(2) ينظر: مناهج التشريع الإسلامي في القرن الثاني الهجري ص6-13.