إن النشأة التاريخية لعلم الأصول تخفى على كثير من الناس، فيظنون أنه وجد في نهاية القرن الثاني على يد الإمام الشافعي - رضي الله عنه -، ولكن مَن يدقق النظر في ضوء سبق أن ذكرناه من المراد بأصول الفقه يلاحظ أن نواته تكونت في عهد النبوة، وأن بعض أسسه بيَّنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لا يكون اجتهاد إلا بأصول، والاجتهاد حاصل في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ومن بعدهم، وتفصيل ذلك فيما يلي:
إن الاجتهاد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - له صورتان، وهما:
الأول: اجتهاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم:
من المقرّر في محلِّه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مجتهدًا، وهذا ما ذهب إليه عامة الأصوليين ومالك والشافعي وأحمد وعامة أهل الحديث، ومنقول عن أبي يوسف أنه - صلى الله عليه وسلم - مأمور بالاجتهاد مطلقًا في الأحكام الشرعية والحروب والأمور الدينية من غير تقييد بشيء منها أو من غير تقييد بانتظار الوحي (1) .
والمختار عند الحنفية المتأخرين أنه - صلى الله عليه وسلم - مأمور في حادثة لا وحي فيها بانتظار الوحي أولًا ما كان راجي الوحي إلى خوف فوت الحادثة بلا حكم، ثم بالاجتهاد ثانيًا إذا مضى وقت الانتظار على حسب الحادثة، ولم يوح إليه؛ لأن عدم الوحي إليه فيها إذن في الاجتهاد.
فإن أقر - صلى الله عليه وسلم - على ما أدى إليه اجتهاده عند خوف الحادثة أوجب إقراره عليه القطع بصحة ما أدّى إليه اجتهاده؛ لأنه لا يقرّ على الخطأ، فلم يجز مخالفته كالنص بخلاف غيره من المجتهدين فإنه يجوز مخالفته إلى اجتهاد مجتهد آخر لاحتمال الخطأ.
(1) ذهب الأشاعرة وأكثر المعتزلة والمتكلمين إلى أنه لا يكون الاجتهاد في الأحكام الشرعية حظه - صلى الله عليه وسلم -. ينظر: المدخل ص37.