فإن مَن لم تبلغه الدعوة غير مكلف بمجرد العقل فإذا لم يعتقد إيمانًا ولا كفرًا كان معذورًا؛ إذ لم يصادف مدّة يتمكن فيها من التأمل والاستدلال، وأما إذا أعانه الله - جل جلاله - بالتجربة وأمهله لدرك العواقب لم يكن معذورًا وإن لم تبلغه الدعوة؛ لأن الإمهال وإدراك مدة التأمل بمنزلة الدعوة في تنبيه القلب عن نوم الغفلة بالنظر في الآيات الظاهرة، ومن قتل هذا الشخص لم يضمن وإن كان قتله حرامًا قبل الدعوة؛ لأن غفلتهم عن الإيمان بعد إدراك مدة التأمل لا تكون عفوًا، وكان قتلهم مثل قتل نساء أهل الحرب بعد الدعوة فلا يضمن.
وليس على حد الإمهال دليل يعتمد عليه؛ لأنه يختلف باختلاف الأشخاص فرب عاقل يهتدي في زمان قليل إلى ما لا يهتدي غيره، فيفوّض تقدير إلى الله - جل جلاله -.
ويصح إيمان الصبي وإن لم يكن مكلّفًا به (1) ؛ لأن الوجوب بالخطاب وهو ساقط عنه، قال - صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه حتى يعقل) (2) .
(1) إن صحة إيمان الصبي العاقل متفق عليه بين الأشعرية والماتريدية؛ لقبول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إيمان الصبيان، وأما عدم كونه مكلفًا بالإيمان فهو قول فخر الإسلام وأتباعه، وعن الشيخ أبي منصور الماتريدي أنه مكلف بالإيمان، وهكذا يروى عن الإمام الأعظم، وقيل: إن خلاف الأشعرية إنما هو في أحكام الدنيا، وأما في أحكام العقبى فصحة إيمان الصبي العاقل متفق عليه بين الأشعرية والماتريدية. ينظر: قمر الأقمار 2: 251.
(2) في مسند أحمد 6: 101، وسنن أبي داود 2: 545، وصحيح ابن خزيمة 2: 102، وصحيح ابن حبان 1: 356، وغيرها.