ثانيها: أصل"الشَّطْر": النِّصف، قال ابن دُرَيد في"الجمهرة":"النِّصفُ مِن كُلِّ شيء" [1] .
وقال صاحب"المجمل":"شطرُ كلِّ شيءٍ: نِصْفُهُ" [2] .
قلتُ: في حديث"الإسراء"مَا يَدُلُّ على أَنَّ الشَّطر يكون الجزء، بقوله في الصلاة:"فوضَعَ شطْرَها -قال ذلكَ ثلاثًا-" [3] ، فلوْ كان الشَّطرُ بمعنى النِّصف كان قد سقط الكل في الثاني.
وفي"النَّسائي":"... فَجَعَلَها أرْبَعِينَ، ... فَجَعَلَها ثَلاثِين، ... فجَعَلَها عِشْرِينَ، ... ثُمَّ عَشَرَة، ... ثُمَّ خَمْسَة" [4] .
واختُلِفَ في معنى كونه"شطْر الإيمان"على أَوْجُهٍ [5] :
أحدُها: أنَّ مُنْتَهَى تَضعِيف ثَوَابه إلى نِصْفِ أَجْرِ الإيمان.
ثانيها: أنَّ الإيمان يَجُبُّ مَا قبلَهُ مِنَ الخطايا؛ فكذا الطهور، لكن صِحَّته مُتَوَقِّفةٌ على الإيمان، فصارَ نِصْفًا.
ثالِثُها: أنَّ المُرادَ بالإيمان: الصلاة، والطهور شَرْطٌ لِصِحَّتِها؛ فكانَ كالشَّطْر، وليسَ يلزَمُ في الشَّطر أَنْ يكونَ نِصْفًا حقيقيًّا، وهذا القول أقربها،
(1) "الجمهرة"لابن دريد (2/ 341) .
(2) "مجمل اللغة"لابن فارس اللغوي (2/ 503) .
(3) رواه البخاري (1/ 78 رقم 349) ، ومسلم (1/ 148 رقم 263) عن أنس - رضي الله عنه -.
(4) هذه اللفظة رواها البخاري في صحيحه (4/ 109 رقم 3207) والنسائي في"الصغرى" (1/ 217 رقم 448) ، و"الكبرى" (1/ 197 رقم 309) مِن حديث طويل في قصة الإسراء رواه مالك بن صَعْصَعَةَ - رضي الله عنه -، وبهذا تعلم نزول المؤلف في عزوه للنسائي دون صاحب الصحيح.
(5) انظر:"إكمال المعلم"للقاضي عياض (2/ 5 - 6) ، و"شرح النووي" (3/ 102) ، و"المفهم" (1/ 474 - 475) في ذِكر هذه الأوجه.