ثم لم يزل أبو عبد الله الحاكم حريصًا على سماع الحديث في صغره، ولم يَتوانَ عن ذلك، كما يظهر لنا ذلك واضحًا من إلحاحه الشديد على الإمام أبي الطيب الصُّعلُوكيّ - وكان صديقًا لوالده - أن يُسمعه شيئًا من الحديث، فكان يأبى عليه، حتَّى توسَّط له والدُه عند أبي الطيب فأسمعه شيئًا يسيرًا، وفي ذلك يقول الحاكم في "تاريخه": سألت أبا الطيب غيرَ مرَّة أن يحدِّثني، فأبى، وكان صديقَ أبي، فمشى معي أبي إليه وسألَه، فأجاب، ثم قصدتُه بعد ذلك غير مرّة، فقال: أنا أستحيي من أبيك أن أرُدَّه إذا سألَني، فأما التحديثُ فليس إليه سبيلٌ (٢) . قلنا: وكان الحاكم إذ ذاك في السادسة عشر من عُمُره أو دونها، لأن أباه وأبا الطيب قد تُوفّيا جميعًا سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة (٣) .
وذكر الحاكم أنه في هذه السنة - أي: سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة - كتب عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد الفقيه البُخاري، بانتخاب أبي علي الحافظ (٤) ، وعن أبي الحسن عيسى بن زيد بن عيسى الطالبي العَقِيلي (٥) ، اللذَين تُوفَّيا في تلك السنة نفسها. وفي تلك السنة كذلك كتب عن أبي عمرو محمد بن جعفر بن محمد بن مَطَر النيسابُوري المتوفى سنة ستين وثلاث مئة (٦) .
(١) "الأنساب" نسبة (الحاتمي) .
(٢) "الأنساب" نسبة (الصعلوكي) . ونقل السمعاني عن الحاكم قوله في أبي الطيب الصُّعلُوكي: بأنه كان مُقدَّمًا في معرفة اللغة، ودرس الفقه، وأدرك الأسانيد العالية، وصنَّف في الحديث، وأَمسك عن الرواية والتحديث بعد أن عُمِّر.
(٣) "المنتظم" لابن الجوزي ١٤/ ٧٣، و "الأنساب" للسمعاني، نسبة (الصعلوكي) .
(٤) "تاريخ بغداد" ٧/ ١٠٢.
(٥) "الأنساب" نسبة (العقيلي) .
(٦) "المستدرك" (٧٠٦٤) .