الصفحة 23 من 83

لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه"، وهكذا فإنه لما كانت الطاعات كلها داخلة في الإيمان لم يفرق الله - عز وجل - بينها وبينه في قوله سبحانه: {حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} [1] ، فأدخل في الإيمان جميع الطاعات، لأنه سبحانه حبب إليهم ذلك حب تدين، وكره إليهم الكفر والفسوق وسائر المعاصي كراهة تدين، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن" [2] ، لأن الله سبحانه حبب إلى المؤمنين الحسنات وكره إليهم السيئات. [3] "

ولما كانت الأخلاق من الإيمان بهذه المثابة، كان الإيمان هو مصدر الإلزام الخلقي، بمعنى أن الإيمان له قوته الإيجابية التي تعمل على تنمية المشاعر وتنقيتها، وأن القوة الإيمانية تترك بصماتها على اتجاهات السلوك الإنساني، ولاسيما في مجال العلاقات الإنسانية، يقول الله تبارك وتعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم} [4] ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:"لقد نصت هذه الآيات على خمس صفات للمؤمن الحق، وهذه الخمس تتضمن ما عداها، فإنه سبحانه ذكر وجل القلب إذا ذكر الله، وزيادة الإيمان إذا تليت الآيات، مع التوكل على الله، وإقام الصلاة، والإنفاق، فكان هذا مستلزما للباقي، لأن وجل القلب عند ذكر الله يقتضي خشيته والخوف منه، وإذا كان وجل القلب من ذكر الله يتضمن خشيته ومخافته، فذلك يدعو صاحبه إلى فعل المأمور وترك المحظور" [5] .

المطلب الأول: تعريف الإيمان:

الإيمان في اللغة: التصديق، ومنه قوله تعالى: {وما أنت بمؤمن لنا} [6] ، وهو مصدر الفعل (آمن) وهو مأخوذ من مادة (أ م ن) التي هي ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب والتصديق الذي هو ضد التكذيب. [7]

الإيمان في الاصطلاح: له اطلاقان:

(1) سورة الحجرات آية:7

(2) أخرجه الطبراني وهو صحيح انظر شرح العقيدة الطحاوية تحقيق وتخريج الشيخ الألباني حديث (521)

(3) ابن تيمية، مرجع سابق، 7/ 43، 187

(4) سورة الأنفال الآيات:2 - 4

(5) ابن تيمية، مرجع سابق، 7/ 19 - 20

(6) سورة يوسف الآية:17

(7) ابن فارس، مرجع سابق مادة (أمن) 1/ 133،وابن منظور، مرجع سابق، مادة (أمن) 13/ 21

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت