قال ابن القيم:"وقد اشتملت هذه الآية على جميع مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، فيما بينهم بعضهم بعضا، وفيما بينهم وبين ربهم، فإن كل عبد لا ينفك عن هاتين الحالتين، وهذين الواجبين؛ واجب بينه وبين خالقه، وواجب بينه وبين الخلق."
فأما ما بينه وبين الخلق من المعاشرة والصحبة، فالواجب عليه فيها أن يكون اجتماعه بهم وصحبته لهم، تعاونا على مرضاة الله وطاعته التي هي غاية سعادة العبد وفلاحه ولا سعادة له إلا بها، وهي البر والتقوى اللذان هما جماع الدين كله، وإذا أفرد كل واحد من الاسمين دخل في مسمى الآخر، إما تضمنا وإما لزوما، ودخوله فيه تضمنا أظهر، لأن البر جزء مسمى التقوى، وكذلك التقوى جزء مسمى البر.
ثم قال تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} والإثم والعدوان في جانب النهي نظير البر والتقوى في جانب الأمر، والفرق ما بين الإثم والعدوان كالفرق ما بين محرم الجنس ومحرم القدر، فالإثم ما كان حراما لجنسه، والعدوان ما حرم لزيادة في قدره وتعدي ما أباح الله منه، فالزنا وشرب الخمر والسرقة ونحوها: إثم، ونكاح الخامسة واستيفاء المجني عليه أكثر من حقه ونحوه: عدوان.
فالعدوان: هو تعدي حدود الله التي قال فيها: {تلك حدود الله فلا تعتدوها} [1] ، وقال في موضع آخر: {تلك حدود الله فلا تقربوها} [2] ، فنهى عن تعديها في آية وعن قربانها في آية، وهذا لأن حدوده سبحانه هي النهايات الفاصلة بين الحلال والحرام، ونهاية الشيء تارة تدخل فيه فتكون منه، وتارة لا تكون داخلة فيه فيكون لها حكم المقابلة، فبالاعتبار الأول نهى عن تعديها، وبالاعتبار الثاني نهى عن قربانها" [3] ."
المطلب الثالث: التقوى شرط لقبول العمل الصالح:
التقوى صفة كريمة ولها آثار مباركة منها قبول العمل الصالح، كما قال - عز وجل: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [4] ،قال ابن
(1) سورة البقرة آية:229
(2) سورة البقرة آية:187
(3) ابن القيم، مرجع سابق، ص10 - 17باختصار
(4) سورة المائدة آية:27