فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 123

الحالة الثانية: أن يوافقهم ويميل إليهم في الباطن مع مخالفته لهم في الظاهر، فهذا كافر أيضًا، ولكن إذا عمل بالإسلام ظاهرًا عصم ماله ودمه، وهو المنافق.

الحالة الثالثة: أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو على وجهين:

أحدهما: أن يفعل ذلك لكونه في سلطانهم مع ضربهم وتقييدهم له، ويهددونه بالقتل، فيقولون له: إما أن توافقنا وتظهر الانقياد لنا، وإلا قتلناك، فإنه والحالة هذه يجوز له موافقتهم في الظاهر مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان، كما جرى لعمار حين أنزل الله تعالى (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ) وكما قال تعالى (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) فالآيتان دلتا على الحكم كما نبه عن ذلك ابن كثير في تفسير آية آله عمران.

الوجه الثاني: أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو ليس في سلطانهم، وإنما حمله على ذلك إما طمع في رياسة أو مال أو مشحة بوطن أو عيال، أو خوف مما يحدث في المآل، فإنه في هذه الحال يكون مرتدًا ولا تنفعه كراهته لهم في الباطن، وهو ممن قال الله فيهم (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) فأخبرهم أنه لم يحملهم على الكفر الجهل أو بغضه، ولا محبة الباطل، وإنما هو أن لهم حظًا من حظوظ الدنيا فآثروه على الدين".

هذا معنى كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وعفا عنه.

وأما ما يعتقده كثير من الناس عذرًا، فإنه تزيين الشيطان وتسويله، وذلك أن بعضهم إذا خوفه أولياء الشيطان خوفًا لا حقيقة له، ظن أنه يجوز له بذلك إظهار الموافقة للمشركين، والانقياد لهم، وآخر منهم إذا زين له الشيطان طمعًا دنيويًا، تخيل أنه يجوز له موافقة للمشركين لأجل ذلك، وشبه على الجهال بأنه مكره وقد ذكر العلماء صفة الإكراه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "تأملت المذاهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره، فليس المعتبر في كلمات الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها، فإن أحمد قد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بالتعذيب من ضرب أو قيد، ولا يكون الكلام إكراهًا، وقد نص على أن المرأة لو وهبت زوجها صداقها بمسكنة فلها أن ترجع على أنها لا تهب له إلا إذا خافت أن يطلقها أو يسيء عشرتها، فجعل خوف الطلاق أو سوء العشرة إكراهًا ولفظه في موضع آخر: لأنه أكرهها، ومثل هذا لا يكون إكراهًا على الكفر، فإن الأسير إن خشي الكفار أن لا يزوجوه، وأن يحولوا بينه وبين امرأته، لم يبح له التكلم بكلمة الكفر" أهـ.

والمقصود منه أن الإكراه على كلمة الكفر لا يكون إلا بالتعذيب من ضرب أو قتل، وأن الكلام لا يكون إكراهًا، وكذلك الخوف من أن يحول الكفار بينه وبين زوجته لا يكون إكراهًا، فإذا علمت ذلك وعرفت ما وقع من كثير من الناس، تبين لك قول النبي صلى الله عليه وسلم (بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ) وقد عاد غريبًا وأغرب منه من يعرفه على الحقيقة، وبالله التوفيق" أهـ كلامه رحمه الله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى 28/ 539 "وإذا كان السلف قد سموا مانعي الزكاة مرتدين، مع كونهم يصومون ويصلون ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلًا للمسلمين؟ ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت