وهناك فرق ثالث مهم أيضًا هو أن المسلمين وجّهوا أوقافهم إلى وجوه من البر والتكافل الاجتماعي، بل والإنساني، مما لم يعرفه الغربيون، ولم يمارسوه حتى اليوم، وهذه الوجوه تبعث على التعجب والدهشة، وتدل على عمق النزعة الإنسانية عند المسلمين، بل وعلى شمولها وصفائها وتجرّدها، حتى وصل بهم الأمر إلى أن وقفوا الوقف على الخدم العاملين في قصور الأغنياء وبيوتهم الذين قد يكسرون بعض الأواني الغالية الثمن حتى لا يتعرضوا للإهانة والإيذاء.
لهذا أقبل المسلمون رجالًا ونساء على الوقف بحماسة وإخلاص من جيل الصحابة كما سبق بيانه، ثم الأجيال التي تليهم جيلًا بعد جيل، حتى امتلأت البلاد الإسلامية بالأوقاف الخيرية التي بلغت حدًا من الكثرة، استدعت أن تُخصَّص لها اليوم في كل دولة إسلامية وزارة تسمى وزارة الأوقاف.
أول الأوقاف الخيرية التي اهتم بها المسلمون عمارة المساجد والعناية بها. في (الصور أعلاه) بعض المساجد الوقفية في المملكة العربية السعودية والكويت ومصر.
وأول الأوقاف الخيرية التي اهتم بها المسلمون هي المساجد؛ فكانوا يشيدونها بسخاء، وحسبنا أن نذكر الجامع الأزهر بالقاهرة، والمسجد الأموي بدمشق والقرويين بالمغرب والزيتونة بتونس، ومسجد قرطبة بالأندلس، ولا تزال آثار تلك المساجد حتى اليوم آية خالدة في الفن والإبداع، ولقد قيل: إن عدد مساجد قرطبة في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) بلغ ستمائة مسجد، وكانت توقف معها الطنافس والمصاحف والإنارات.