فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 27863 من 45140

ليس أدل على رقي الأمة وجدارتها بالحياة من سموّ النزعة الإنسانية في أفرادها، سموًّا يفيض بالخير والبر والرحمة على جميع الكائنات الحية، وبهذا المقياس تخلد حضارات الأمم ويفاضل بينها. والمسلمون بلغوا في ذلك مكانة لم يصل إليها شعب من قبلهم على الإطلاق، ولم تلحق بهم أمة من بعدهم حتى الآن.

وتقدم ـ فيما سبق ـ أنه في العصور القديمة لم تكن الأمم تعرف ميادين للأحباس إلا في نطاق ضيق، لا تتجاوز في كثير من صورها المعابد وكهنتها وسدنتها، وأولاد المتبرع وذريته.

أما في العصور الحديثة، فإن الغرب وإن بلغ الذروة في استيفاء الحاجات المعيشية عن طريق المؤسسات الاجتماعية، لكنه لم يبلغ ذروة السمو الإنساني الخالص للخالق عز وجل، كما بلغته الأمة الإسلامية في عصور قوتها ومجدها، أو حتى عصور ضعفها وانحطاطها؛ ذلك لأن الباعث الأكبر في اندفاع الغربيين نحو المبرات الإنسانية العامة، هو طلب الجاه والشهرة وانتشار الصيت وخلود الذكر بين الناس أو غير ذلك من دوافع لا تتعلق بالطاعة لله تعالى. بينما كان الدافع الأول والأسمى في أوقاف المسلمين تحقّق الطاعة لله تعالى كما في قول الشافعي الآنف، سواء علم الناس بذلك أو لم يعلموا. وحسبنا دليلًا على هذا أن صلاح الدين الأيوبي أنفق أمواله كلها على جهات البر الاجتماعية، وملأ بلاد الشام ومصر بالأوقاف الخيرية من مساجد ومدارس ومستشفيات ورباطات ـ مراكز إقامة المجاهدين وتزويدهم بالمؤن والأعتاد والخيل ـ وغيرها، دون أن يسجل على واحدة منها اسمه، وهذا غاية ما يكون من التجرد عن حظوظ النفس في أعمال البرّ والخير.

وأمر آخر هو أن الغربيين في مؤسساتهم الخيرية والاجتماعية، كثيرًا ما يحصرون الانتفاع بها في مواطنيهم من أبناء دولتهم أو من أبناء مدينتهم أو في أهداف تنصيرية بحتة أو دنيوية، في حين أن الأوقاف الخيرية عند المسلمين كانت تفتح أبوابها لكل إنسان، بصرف النظر عن جنسيته ولغته وبلده ومذهبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت