كانت أولى بوادر الحركة الوطنية التونسية حركة أعيان العاصمة، التي تزعمها الشيخ محمد السنوسي سنة 1302هـ، 1885م، وتمثلت في تقديم عريضة إلى علي الباي تضمنت اعتراضات على جملة من قوانين وإجراءات إدارة الحماية، نتج عنها نفي الشيخين محمد السنوسي وأحمد الورتاني خارج العاصمة، وعقاب كل الموقعين على العريضة. وقد لقيت هذه الحركة صدى واسعًا في مجلة العروة الوثقى للشيخين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، لما كان لهذين الرجلين من علاقات بالنخبة المثقفة التونسية آنذاك. فقد زار الشيخ محمد عبده تونس مرتين، وكان لما تنشره مجلة العروة الوثقى ومجلة المنار لصاحبها رشيد رضا من بعدها تأثير كبير بين تلك النخبة والجيل الذي تلاها من التونسيين.
أصدر فريق من المثقفين التونسيين جريدة أسبوعية سنة 1305هـ، 1888م، سموها الحاضرة، وكان ذلك الفريق مؤلفًا من صادقيين أمثال علي بوشوشة (صاحب الجريدة) والبشير صفر وزيتونيين مجددين أمثال الشيخين محمد السنوسي وسالم بوحاجب، وجميعهم من رجال الوزير خير الدين، وقد التزموا بالدفاع عن مصالح التونسيين المضمونة بموجب معاهدة الحماية، وقد أفادت هذه الجريدة من تكوين رأي عام تونسي، بما كانت تورده من أخبار داخلية وخارجية وانتقادات لبعض تجاوزات الإدارة الاستعمارية، وذلك في نطاق ما كان يؤمن به فريق الجريدة من ضرورة إيقاظ التونسيين من سباتهم، وتعريفهم بالأفكار الحديثة، ليقتبسوا من التجربة الأوروبية كل ما هو إيجابي، ويسلكوا طريق التقدم القائم على العلوم، وهو عين ما نادى به خير الدين التونسي في كتابه أقوم المسالك، وقد اصطدمت أفكارهم بمقاومة المحافظين من الزيتونيين، الأمر الذي دفعهم إلى تأسيس جمعية الخلدونية سنة 1314هـ، 1896م. وتلا ذلك تأسيس جمعية قدماء تلامذة المدرسة الصادقية سنة 1323هـ، 1905م.