كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ لَيْلَةَ البَدْرِ فَقَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا تَرَوْنَ هَذَا عِيَانًا لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ"⁽١⁾. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَاصِمِ بْنِ يُوسُفَ اليَرْبُوعِيِّ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ مُوسَى بْنِ نَافِعٍ الكُوفِيِّ. وَلَفْظُ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي "الصَّحِيحِ": "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا" فَحَسْبُ. ٣٢-سَمِعْتُ الإِمَامَ أَبَا عَلِيٍّ الصَّفَّارَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيِّ ابْنِ الاخِ يَقُولُ: سَمِعْتُ الإِمَامَ أَبَا الطَّيِّبِ سَهْلَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: "تَضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ" بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ المِيمِ، أَيْ لَا يَنْضَمُّ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَتَقْدِيرُهُ "لَا تَتَضَامُّونَ"⁽٢⁾ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّائَيْنِ. وَمَعْنَاهُ بِضَمِّ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ المِيمِ: لَا تُظْلَمُونَ فِيهِ بِرُؤْيَةِ بَعْضِكُمْ دُونَ بَعْضٍ وَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ فِي جِهَاتِكُمْ كُلِّهَا⁽٣⁾.
--------------------
(١) أخرجه البخاري (٧٤٣٥) عن يوسف بن موسى به.
(٢) في "الأصل "يَتَضَامُّونَ" وهو خطأ.
(٣) نقله عنه البيهقي في "الاعتقاد" (ص ١٢٨) وتمام كلامه:" وَهُوَ يَتَعَالَى عَنْ جِهَةٍ، قَالَ: وَالتَّشْبِيهُ بِرُؤْيَةِ الْقَمَرِ لِيَقِينِ الرُّؤْيَةِ دُونَ تَشْبِيهِ الْمَرْئِيِّ، تَعَالَي اللهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا". قلتُ: وهذا مبنيٌّ على أصل مذهبهم في نفي العُلُوِّ والفَوْقِيَّة لله تعالى فإنهم وإن كانوا يثبتون الرؤية لكن هذا الإثبات لا يستلزم عندهم إثبات المقابلة والجهة فهم ينفونها ويرون أنَّ الله يرى لا في جهة لأن إثبات الجهة من لوازم الأجسام، والله تعالى منزَّه عن ذلك،، ومذهب أهل السنة والحديث وإجماعهم على أنَّ المؤمنين يرون ربَّهم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالأبصار عيانًا، وهذا غاية الإكرام والإنعام على عباده وهو غاية الطالب، ومنتهى المطالب، نسأل الله تعالى من فضله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رَحِمَهُ اللَّهُ في "منهاج السنة النبوية" (٣ / ٣٤٢ -٣٤٥) : "أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ يُرَى بِلَا مُقَابَلَةٍ هُمُ الَّذِينَ قَالُوا: إِن الله لَيْسَ فَوْقَ الْعَالَمِ، فَلَمَّا كَانُوا مُثْبِتِينَ لِلرُّؤْيَةِ نَافِينَ لِلْعُلُوِّ احْتَاجُوا إِلَي الْجَمْعِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ. وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الْكُلَّابِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ، وَلَيْسَ هُوَ قَوْلَهُمْ كُلَّهِمْ بَلْ وَلَا قَوْلَ أَئِمَّتِهِمْ، بَلْ أَئِمَّةُ الْقَوْمِ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَمَنْ نَفَى ذَلِكَ مِنْهُمْ فَإِنَّمَا نَفَاهُ لِمُوَافَقَتِهِ الْمُعْتَزِلَةَ فِي نَفْيِ ذَلِكَ وَنَفْيِ مَلْزُومَاتِهِ، لِأَنَّهُمْ لَمَّا وَافَقُوهُمْ عَلَى صِحَّةِ الدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّتْ بِهِ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ، وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يَخْلُو عَنِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَمَا لَا يَخْلُو عَنْهُمَا فَهُوَ حَادِثٌ، لِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا