أول لها. قالوا: فيلزم حدوث كل جسم، فيمتنع أن يكون البارئ جسما؛ لأنه قديم، ويمتنع أن يكون في جهة؛ لأنه لا يكون في الجهة إلا جسم، فيمتنع أن يكون مقابلا للرائي؛ لأن المقابلة لا تكون إلا بين جسمين. ولا ريب أن جمهور العقلاء من مثبتي الرؤية ونفاتها يقولون: إن هذا القول معلوم الفساد بالضرورة؛ ولهذا يذكر الرازي أن جميع فرق الأمة تخالفهم في ذلك. لكن هم يقولون لهذا المشنع عليهم: نحن أثبتنا الرؤية ونفينا الجهة، فلا يلزم ما ذكرته، فإن أمكن رؤية المرئي لا في جهة من الرائي صح قولنا، وإن لم يكن لزم خطؤنا في إحدى المسألتين: إما في نفي الرؤية وإما في نفي مباينة الله لخلقه وعلوه عليهم وإذا لزم الخطأ في إحداهما، لم يتعين الخطأ في نفي الرؤية، بل يجوز أن يكون الخطأ في نفي العلو والمباينة، وليست موافقتنا لك حجة لك، فليس تناقضنا دليلا على صواب قولك في نفي علو الله على خلقه، بل الرؤية ثابتة بالنصوص المستفيضة وإجماع السلف، مع دلالة العقل عليها. وحينئذ فلازم الحق حق. ونحن إذا أثبتنا هذا الحق ونفينا بعض لوازمه، كان هذا التناقض أهون من نفي الحق ولوازمه. وأنتم نفيتم الرؤية ونفيتم العلو والمباينة، فكان قولكم أبعد عن المعقول والمنقول من قولنا، وقولنا أقرب من قولكم، وإن كان في قولنا تناقض فالتناقض في قولكم أكثر ومخالفتكم لنصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أظهر، وهذا بين؛ فإن ما في النصوص الإلهية ونصوص سلف الأمة من إثبات الصفات والرؤية وعلو الله متواتر مستفيض. والنفاة لا يستندون لا إلى كتاب ولا إلى سنة ولا إلى إجماع بل عارضوا برأيهم الفاسد ما تواتر عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأتباعه من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. ونقل شيخ الإسلام - كما في "مجموع الفتاوى" (١٦ / ٨٤) قول ابن فورك: "نعم يرى لا في جهة كما أنه لم يزل يرى نفسه لا في جهة ولا من جهة ويراه غيره على ما يرى ورأى نفسه والجهة ليست بشرط في الرؤية.. خبر الرؤية صحيح وهي واجبة كما بشرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيه دلالة على أن الله يرى لا في جهة لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((لا تضامون في رؤيته) ) ومعناه: لا تضمكم جهة واحدة في رؤيته فإنه لا في جهة". ثم تعقبه رَحِمَهُ اللَّهُ ونقض قوله وقول من وافقه فقال: "قول هؤلاء: "إن الله يرى من غير معاينة ومواجهة" قول انفردوا به دون سائر طوائف الأمة وجمهور العقلاء على أن فساد هذا معلوم بالضرورة. والأخبار المتواترة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترد عليهم". ثم قال بعد أن ساق الأدلة على فساد هذا القول ونقله عن بعض حذاقهم من مشابهة قولهم