قال: والتشبيه برؤية القمر ليقين الرؤية دون تشبيه المرئي⁽١⁾، تعالى عن ذلك علوا
--------------------
لقول المعتزلة في الباطن (١٦ / ٨٥ - ٨٦) :
"وأما قوله: إن الخبر يدل على أنهم يرونه لا في جهة وقوله: "لا تضامون" معناه لا تضمكم جهة واحدة في رؤيته فإنه لا في جهة فهذا تفسير للحديث بما لا يدل عليه ولا قاله أحد من أئمة العلم؛ بل هو تفسير منكر عقلا وشرعا ولغة. فإن قوله "لا تضامون" يروى بالتخفيف. أي: لا يلحقكم ضيم في رؤيته كما يلحق الناس عند رؤية الشيء الحسن كالهلال فإنه قد يلحقهم ضيم في طلب رؤيته حين يرى؛ وهو سبحانه يتجلى تجليا ظاهرا فيرونه كما ترى الشمس والقمر بلا ضيم يلحقكم في رؤيته. وهذه الرواية المشهورة. وقيل "لا تضامون" بالتشديد أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض كما يتضام الناس عند رؤية الشيء الخفي كالهلال. وكذلك "تضارون" و"تضارون". فإما أن يروى بالتشديد ويقال: "لا تضامون" أي لا تضمكم جهة واحدة فهذا باطل لأن التضام انضمام بعضهم إلى بعض. فهو "تفاعل" كالتماس والتراد ونحو ذلك. وقد يروى "لا تضامون" بالضم والتشديد أي لا يضام بعضكم بعضا. وبكل حال فهو من "التضام" الذي هو مضامة بعضهم بعضا ليس هو أن شيئا آخر لا يضمكم فإن هذا المعنى لا يقال فيه "لا تضامون" فإنه لم يقل "لا يضمكم شيء" ثم يقال: الراءون كلهم في جهة واحدة على الأرض. وإن قدر أن المرئي ليس في جهة فكيف يجوز أن يقال: "لا تضمكم جهة واحدة" وهم كلهم على الأرض أرض القيامة أو في الجنة وكل ذلك جهة ووجودهم نفسهم لا في جهة ومكان ممتنع حسا وعقلا. وأما قوله: "هو يرى لا في جهة فكذلك يراه غيره فهذا تمثيل باطل. فإن الإنسان يمكن أن يرى بدنه ولا يمكن أن يرى غيره إلا أن يكون بجهة منه وهو أن يكون أمامه سواء كان عاليا أو سافلا"
وانظر - إن شئت تتمة كلامه - رَحِمَهُ اللَّهُ وأسبغ عليه شآبيب مغفرته ورضوانه.
وأهل السنة مع إثباتهم رؤية الله تعالى بالأبصار فإنهم ينفون الإدراك وهو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية قال ابن أبي العز في "شرح الطحاوية" (١ / ٢٥٠) :
"إن نفي الرؤية ليس بصفة كمال، إذ المعدوم لا يرى، وإنما الكمال في إثبات الرؤية ونفي إدراك الرائي له إدراك إحاطة، كما في العلم، فإن نفي العلم به ليس بكمال، وإنما الكمال في إثبات العلم ونفي الإحاطة به علما. فهو سبحانه لا يحاط به رؤية، كما لا يحاط به علما.".
(١) قال الصابوني في "عقيدة السلف أصحاب الحديث" (ص ٨٠) : "والتشبيه في هذا الخبر وقع للرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي". وقال ابن قدامة في "لمعة الاعتقاد" (ص ٢٣) : "وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي، فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير". وقال شيخ الإسلام في "منهاج السنة" (٢ / ٣٣٢- ٣٣٣) :