فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 424

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) } سورة البقرة

كَانَ المُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الكِتَابِ قَبْلَ الإِسْلامِ فِرَقًا وَأَصْنَافا: فَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ أَْشْياءَ كَالبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ عِنْدَ العَرَبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَ بَعْضَ الحَيَوانِ، وَكَانَ الشَّائِعُ عِنْدَ النَّصَارَى الافْتِتَانُ فِي حِرْمَانِ النَّفسِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، فَقَدْ حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ اللَّحْمَ وَالسَّمْنَ فِي بَعْضِ أنوَاع صَوْمِهِمْ، وَحَرَّمُوا السَّمَكَ وَالَّلبَنَ وَالبَيْضَ فِي بَعْضِهَا الآخَرِ.

وَهذِهِ الأَحْكَامُ وَضَعَهَا الرُّؤَسَاءُ، وَلا وُجُودَ لَهَا فِي التَّورَاةِ، وَلا نُقِلَتْ عَنِ المَسِيحِ، عَلَيهِ السَّلاَمُ. وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ التَّقَرُّبَ إِلى اللهِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِتَعْذِيبِ النَّفْسِ، وَتَرْكِ حُظُوظِ الجَسَدِ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ المُسْلِمِينَ أُمَّةً وَسَطًا تُعطِي الجَسَدَ حَقَّهُ، وَالرُّوحَ حَقَّهَا. وَقَدْ أَبَاحَ اللهُ لِلْمُؤْمِنينَ الأَكْلَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى شُكْرِهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيهِمْ. [1]

إن اللّه ينادي الذين آمنوا بالصفة التي تربطهم به سبحانه، وتوحي إليهم أن يتلقوا منه الشرائع وأن يأخذوا عنه الحلال والحرام. ويذكرهم بما رزقهم فهو وحده الرازق، ويبيح لهم الطيبات مما رزقهم فيشعرهم أنه لم يمنع عنهم طيبا من الطيبات، وأنه إذا حرم عليهم شيئا فلأنه غير طيب، لا لأنه يريد أن يحرمهم ويضيق عليهم - وهو الذي أفاض عليهم الرزق ابتداء - ويوجههم للشكر إن كانوا يريدون أن يعبدوه وحده بلا شريك. فيوحي إليهم بأن الشكر عبادة وطاعة يرضاها اللّه من العباد .. كل أولئك في آية واحدة قليلة الكلمات: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ» [2] .. ثم يبين لهم المحرمات من المآكل نصا وتحديدا باستعمال أداة القصر» «إِنَّما» ..

«إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ» .. والميتة تأباها النفس السليمة وكذلك الدم، فضلا على ما أثبته الطب - بعد فترة طويلة من تحريم القرآن والتوراة قبله بإذن اللّه -

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 179،بترقيم الشاملة آليا)

(2) - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وَقَالَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) » .ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِىَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ».صحيح مسلم- المكنز [6/ 336] (2393)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت