قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) } سورة الحجرات
إِذا نَطَقْتُمْ وَأنْتُمْ في حَضْرَةِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - فَلاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوتِهِ، وَلاَ تْبلُغُوا بها الحَدَّ الذي يَبْلُغُهُ صَوْتُهُ، لأنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ الاحْتِرَامِ. وَإِذا كَلَّمْتُمُوهُ وَهُوَ صَامِتٌ فَلاَ تَبْلُغُوا بهِ الجَهْرَ الذي يَدُورُ بَيَنكُم، وإذا كَلَّمْتُمُوهُ فَلا تَقُولُوا لَهُ: يا محمَّدُ، بَلْ خَاطُبوهُ بالنُّبُوَّةِ (كَيَا نَبِيَّ اللهِ، وَيَا رَسُولَ اللهِ) مَخَافَةَ أَنْ يُؤْدِّيَ، ذلِكَ التَّهَاوُنُ فِي تَوْفِيَةِ الرَّسُولِ حَقَّهُ مِنَ الاحتِرامِ، إِلى الكُفْرِ وَبُطْلانِ الأعْمَالِ، وَأنتُمْ لاَ تَشْعُرونَ بِذلِك.
والذِينَ يَخْفِضُونَ أصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،وَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ في حَضْرَتِهِ إِجْلالًا واحتِرامًا، هُمُ الذِينَ ابتْلَى اللهُ قُلُوبَهم بالمِحَنِ والتَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ، حَتَّى تَطَهَّرَتْ وَصَفَتْ بِما كَابَدَتْهُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى المَشَاقِّ، وَهَؤُلاءِ لَهُم مَغْفِرةٌ مِنْ رَبِّهمْ لذُنُوبِهمْ، وَلَهُم ثَوَابٌ عَظِيمٌ عَلَى غَضِّهم أصْواتَهم عِنْدَ النَّبِيِّ احتِرامًا مِنْهُمْ لَهُ، وَتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ.
اجْتَمعَ أناسٌ مِنَ العَرَبِ فَقَالُوا: انْطَلِقُوا بِنا إِلى هَذَا الرَّجلِ، فَإِنْ كَانَ نَبِيًّا فَنَحْنَ أسْعَدُ النَّاسِ بِهِ، وَإِنْ يَكُنْ مَلِكًا نَعِشْ بِجَنَاحِهِ، فَجَاؤُوا إلى حُجْرِةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَجَعَلُوا يُنَادُونَهُ وَهُو في حُجْرتِهِ: يَا مُحَمَّدُ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى هَذِهِ الآيةَ الكَريمةَ تأدِيبًا لهؤُلاءِ وأمْثَالِهِمْ، الذِينَ يَأتُونَ إِلى النَّبيِّ، وَهُوَ في بَيْتِهِ مَعَ نِسَائِهِ، فَيُنَادُونَهُ بأصْواتٍ مُرْتَفِعةٍ لِيَخْرُجَ إليهِمْ.
وَيَقُولُ تَعَالى: إِنَّ الذِينَ يَفْعَلُون ذَلِكَ أكْثَرُهُم جُهَّالٌ بِمَا يَجِبُ لِلرَّسُولِ مِنَ التَّعظِيمِ وَالاحتِرامِ.
وَلَوْ أنَّ هؤلاءِ الذِينَ جَاؤُوكَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُراتِ بِأصْواتٍ مُرْتَفِعَةٍ، صَبَرُوا وَلَمْ يُنَادُوكَ حَتَّى تَخْرُجَ أنْتَ إليهِمْ، لَكَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ عِنْدَ اللهِ، لأَنَّهُمْ يَكُونُونَ بِذَلِكَ قَدْ بَرْهَنُوا عَلى مَا يُكِنُّونَهُ لَكَ مِنَ الاحتِرَامِ وَالتَّوقِيرِ. [1]
يا أيها الذين آمنوا .. ليوقروا النبي الذي دعاهم إلى الإيمان .. أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون .. ليحذروا هذا المزلق الذي قد ينتهي بهم إلى حبوط أعمالهم، وهم غير شاعرين ولا عالمين، ليتقوه! ولقد عمل في نفوسهم ذلك النداء الحبيب، وهذا التحذير المرهوب، عمله العميق الشديد:
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 4493،بترقيم الشاملة آليا)