فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 424

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) } سورة الأنفال

يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِإِطَاعَةِ اللهِ، وَإِطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَبِالاسْتِجَابَةِ لِلْرَّسُولِ إِذَا دَعَاهُمْ إلَى الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ مُخَالَفَتِهِ، وَتَرْكِ طَاعَتِهِ، وَرَفْضِ الاسْتِجَابَةِ لَهُ إِذَا دَعَاهُمْ إلَى الجِهَادِ، لأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ الذِي يَأْمُرُهُمْ بِطَاعَةِ الرَّسُولِ وَمُوَالاَتِهِ وَنَصْرِهِ، وَيَعْقِلُونَهُ.

وَلا تَكُونُوا كَالمُنَافِقِينَ وَكَالمُشْرِكِينَ الذِينَ قَالُوا: سَمِعْنَا مَا قُلْتَهُ يَا مُحَمَّدُ، وَلَكِنَّهُمْ فِي الحَقِيقَةِ لَمْ يَسْمَعُوا شَيْئًا، وَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ، فَكَانُوا كَغَيرِ السَّامِعِينَ (وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ)

وَهَؤُلاَءِ الذِينَ يَقُولُونَ سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَِسْمَعُونَ، هُمْ شَرُّ المَخْلُوقَاتِ التِي تَدِبُّ عَلَى سَطْحِ الأَرْضِ، وَأَسْوَؤُهَا لأَنَّهُمْ صُمٌّ لاَ يَسْمَعُونَ بِآذَانِهِمْ، وَبُكْمٌ عَنْ فَهْمِ الحَقِّ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَهُ، وَكُلُّ الدَّوَابِّ مُطِيعَةٌ لِخَالِقِهَا، أَمَّا هَؤُلاَءِ فَقَدْ خَلَقَهُمُ اللهُ لِعِبَادَتِهِ فَكَفَرُوا، فَهُمْ شَرٌّ مِنَ الدَّوَابِّ.

الدَّوَابِّ - كُلَّ مَا دَبَّ عَلَى الأَرْضِ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ وَقَلَّمَا تُسْتَعْمَلُ لِلإِنْسَانِ، وَاسْتِعْمَالُهَا هُنَا لِلْمُشْرِكِينَ نَوْعٌ مِنَ التَّحْقِيرِ لِشَأْنِهِمْ.

إِنَّ هَذِهِ المَخْلُوقَاتِ لاَ تَفْهَمُ فَهْمًا صَحِيحًا، وَلَيْسَ لَهُمْ رَغْبَةٌ فِي عَمَلِ خَيْرٍ صَالِحٍ، وَلَوْ كَانَ اللهُ يَعْلَمُ فِيهِمْ اسْتِعْدَادًا لِلإِيمَانِ وَالاهْتِدَاءِ بِنُورِ النُّبُوَّةِ لأَسْمَعَهُمْ وَأَفْهَمَهُمْ، وَلَكِنَّهُم لاَ خَيْرَ فِيهِمْ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْمَعَهُمْ، لأَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا عَنِ القَبُولِ قَصْدًا وَعِنَادًا، وَهُمْ مُعْرِضُونَ عَنْهُ [1] .

إن الهتاف هنا للذين آمنوا ليطيعوا اللّه ورسوله، ولا يتولوا عنه وهم يسمعون آياته وكلماته .. إن هذا الهتاف هنا إنما يجيء بعد جميع مقدماته الموحية .. يجيء بعد استعراض أحداث المعركة وبعد رؤية يد اللّه فيها، وتدبيره وتقديره، وعونه ومدده وبعد توكيد أن اللّه مع المؤمنين، وأن اللّه موهن كيد الكافرين. فما يبقى بعد ذلك كله مجال لغير السمع والطاعة للّه والرسول. وإن التولي عن الرسول وأوامره بعد هذا كله ليبدو مستنكرا قبيحا لا يقدم عليه إنسان له قلب يتدبر وعقل يتفكر .. ومن هنا يجيء ذكر الدواب في موضعه المناسب! ولفظ «الدواب» يشمل الناس فيما يشمل، فهم يدبون على الأرض، ولكن استعماله يكثر في الدواب من الأنعام، فيلقي ظله بمجرد إطلاقه ويخلع على «الصم البكم الذين لا يعقلون» صورة البهيمة في الحس والخيال! وإنهم لكذلك! إنهم لدواب بهذا الظل. بل هم شر

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1181،بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت