قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) } سورة الأنفال
يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِالثَّبَاتِ فِي المَعْرَكَةِ، وَبِمُوَاجَهَةِ الكَافِرِينَ بِقُلُوبٍ مُؤْمِنَةٍ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى عَدَمِ الفِرَارِ وَتَوْلِيَةِ الظُّهُورِ لِلأَعْدَاءِ، وَإِنْ كَانَ الكَافِرُونَ أَكْثَرَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَدَدًا، لأنَّ الفِرَارَ يُحْدِثُ الوَهَنَ فِي الجَيْشِ الإِسْلاَمِي المُقَاتِلِ.
وَلَكِنَّهُ تَعَالَى سَمَحَ لِلْمُقَاتِلِ بِحُرِّيَّةِ الحَرَكَةِ أَثْنَاءِ المَعْرَكَةِ، كَأنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَكَانٍ فِي المَعْرَكَةِ إلى مَكَانٍ آخَرَ، لِنُصْرَةِ فَرِيقٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، أَوْ لِسَدِّ ثَغْرَةٍ نَفَذَ مِنْهَا العَدُوُّ، فَالمُهِمُّ هُوَ أَنْ يَكُونَ هَدَفُ المُقَاتِلِ المُسْلِمِ النَّصْرَ أَوِ الشَّهَادَةِ، وَإِطَاعَةِ أَمْرِ القِيَادَةِ. أَمَّا الذِينَ يَتْرُكُونَ المَعْرَكَةَ فِرَارًا وَهَرَبًا مِنَ المَوْتِ، فَإنَّ اللهَ تَعَالَى يَتَوَعَّدُهُمْ بِالعَذَابِ الألِيمِ يَوْمَ القِيَامَةِ. [1]
ويبدو في التعبير القرآني شدة في التحذير وتغليظ في العقوبة وتهديد بغضب من اللّه ومأوى في النار: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ - إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ - فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» ..
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا إذا واجهتم الذين كفروا «زحفا» أي متدانين متقاربين متواجهين فلا تفروا عنهم، إلا أن يكون ذلك مكيدة حرب، حيث تختارون موقعا أحسن، أو تدبرون خطة أحكم أو أن يكون ذلك انضماما إلى فئة أخرى من المسلمين، أو إلى قواعد المسلمين، لتعاودوا القتال .. وأن من تولى، وأعطى العدو دبره يوم الزحف فقد استحق ذلك العقاب: غضبا من اللّه ومأوى في جهنم ..
وقد وردت بعض الأقوال في اعتبار هذا الحكم خاصا بأهل بدر، أو بالقتال الذي يكون رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - حاضره. ولكن الجمهور على أنها عامة، وأن التولي يوم الزحف كبيرة من السبع الموبقات. كما روى البخاري ومسلم في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ. [2] ..
وقد أورد الجصاص في «أحكام القرآن» تفصيلا لا بأس من الإلمام به قال [3] :
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1176،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - صحيح البخارى- المكنز [10/ 142] (2766) وصحيح مسلم- المكنز [1/ 323] (272) وصحيح ابن حبان [12/ 371] (5561)
(3) - أحكام القرآن (الجصاص) ج 5،ص:380