فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 424

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (11)

يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَوَسَّعُوا فِي المَجَالِسِ: مَجَالِسِ رَسُولِ اللهِ، أَوْ فِي مَجَالِسِ القِتَالِ، فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ فِي مَنَازِلِكُمْ فِي الجَنَّةِ، وَإِذَا دُعِيتُمْ إِلَى القِيَامِ مِنْ مَجْلِسِ رَسُولِ اللهِ فَقُومُوا (انْشُزُوا) ،لأَنَّ الرَّسُولَ كَانَ يُؤْثِرُ الانْفِرَادَ لِتَدْبِيرِ شُُؤونِ المُؤْمِنِينَ.

(وَلاَ يَنْبَغِي لِقَادِمٍ أَنْ يُقِيمَ أَحَدًا مِنْ مَجْلِسِهِ لِيَجْلِسَ مَكَانَهُ) .فَإِذَا انْفَسَحَ المُؤْمِنُونَ وَنَشَزُوا، امْتِثَالًا لأَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّ اللهَ يَرْفَعُهُمْ، وَيَرْفَعُ الَعالِمِينَ مِنْهُمْ خَاصَّةً، دَرَجَاتٍ كَثِيرَةً فِي الثَّوَابِ وَالمَنْزِلَةِ، وَاللهُ خَبِيرٌ بِأَعْمَالِ العِبَادِ، لاَ تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ. [1]

هذا تأديب من الله لعباده المؤمنين، إذا اجتمعوا في مجلس من مجالس مجتمعاتهم، واحتاج بعضهم أو بعض القادمين عليهم للتفسح له في المجلس، فإن من الأدب أن يفسحوا له تحصيلا لهذا المقصود.

وليس ذلك بضار للجالس شيئا، فيحصل مقصود أخيه من غير ضرر يلحقه هو، والجزاء من جنس العمل، فإن من فسح فسح الله له، ومن وسع لأخيه، وسع الله عليه. {وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا} أي: ارتفعوا وتنحوا عن مجالسكم لحاجة تعرض، {فَانْشُزُوا} أي: فبادروا للقيام لتحصيل تلك المصلحة، فإن القيام بمثل هذه الأمور من العلم والإيمان، والله تعالى يرفع أهل العلم والإيمان درجات بحسب ما خصهم الله به، من العلم والإيمان. {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فيجازي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وفي هذه الآية فضيلة العلم، وأن زينته وثمرته التأدب بآدابه والعمل بمقتضاه. [2]

ويظهر من بعض الروايات التي حكت سبب نزول الآية أن لها علاقة واقعية بالمنافقين، مما يجعل بينها وبين الآيات قبلها أكثر من ارتباط واحد في السياق.

عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ الْآيَةُ: كَانُوا إِذَا رَأَوْا مَنْ جَاءَهُمْ مُقْبِلًا ضَنُّوا بِمَجْلِسِهِمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْسِحَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ" [3] "

وعَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، قَالَ:"أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَئِذٍ فِي الصُّفَّةِ وَفِي الْمَكَانِ ضِيقٌ، وَكَانَ يُكْرِمُ أَهْلَ بَدْرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَجَاءَ نَاسٌ مِنَ أَهْلِ بَدْرٍ وَقَدْ سُبِقُوا إِلى الْمَجْلِسِ، فَقَامُوا حِيَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَقَالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ النَّبِيُّ"

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 4993،بترقيم الشاملة آليا)

(2) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 846)

(3) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (31258) صحيح مرسل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت