فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 424

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (105) سورة المائدة.

يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المٌُؤْمِنينَ بِأنْ يُصْلِحُوا أنْفُسَهُمْ، وَأنْ يَفْعَلُوا الخَيْرَ جَهْدَ طَاقَتِهِمْ، لِيَتَقَرَّبُوا بِذَلِكَ إلى اللهِ. وَيُخْبِرُهُمْ تَعَالَى أنَّهُ مَنْ أصْلَحَ نَفْسَهُ وَأَمْرَهُ مِنْهُمْ، فَلاَ يَضُرُّهُ فَسَادُ مَنْ فَسَدَ مِنَ النَّاسِ، سَوَاءٌ أكَانَ قَرِيبًا أوْ بَعِيدًا،"وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقَالَ: بَلِ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ، وَتَنَاهُوا عَنِ المُنْكَرِ، حَتَّى إذا رَأَيْتُمْ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوىً مَتَّبَعًا، وَدُنْيا مُؤْثَرَةً، وَإعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأيٍ بِرَأيِهِ، فًَعَلَيكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ العَوَامَّ، فَإنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أيَّامًا الصَّابِرُ فِيهِنَّ مِثْلُ القَابِضِ عَلَى الجَمْرِ، لِلَعَامِلِ فِيهِنَّ أجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ كَعَمَلِكُمْ" (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

فَالمُؤْمِنُ لاَ يَكُونُ مُهْتَدِيًا إذَا أصْلَحَ نَفْسَهُ، وَلَمْ يَهْتَمَّ بإِصْلاَحِ غَيْرِهِ، بِأنْ يَأمُرَهُ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَاهُ عَنِ المُنْكَرِ، فَهَذا فَرْضٌ لاَ هَوَادَةَ فِيهِ، وَلَكِنَّ هذِهِ الفَرِيضَةُ تَسْقُطُ إذا فَسَدَ النَّاسُ فَسَادًا لاَ يُرْجَى مَعَهُ تَأثِيرُ الوَعْظِ وَالإِرْشَادِ. [1]

إنه التميز والمفاصلة بينهم وبين من عداهم. ثم إنه التضامن والتواصي فيما بينهم بوصفهم أمة واحدة.

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ» ..

أنتم وحدة منفصلون عمن سواكم، متضامنون متكافلون فيما بينكم. فعليكم أنفسكم .. عليكم أنفسكم فزكوها وطهروها وعليكم جماعتكم فالتزموها وراعوها ولا عليكم أن يضل غيركم إذا أنتم اهتديتم. فأنتم وحدة منفصلة عمن عداكم وأنتم أمة متضامنة فيما بينها بعضكم أولياء بعض، ولا ولاء لكم ولا ارتباط بسواكم.

إن هذه الآية الواحدة تقرر مبادئ أساسية في طبيعة الأمة المسلمة، وفي طبيعة علاقاتها بالأمم الأخرى.

إن الأمة المسلمة هي حزب اللّه. ومن عداها من الأمم فهم حزب الشيطان. ومن ثم لا يقوم بينها وبين الأمم الأخرى ولاء ولا تضامن، لأنه لا اشتراك في عقيدة ومن ثم لا اشتراك في هدف أو وسيلة ولا اشتراك في تبعة أو جزاء.

وعلى الأمة المسلمة أن تتضامن فيما بينها وأن تتناصح وتتواصى، وأن تهتدي بهدي اللّه الذي جعل منها أمة مستقلة منفصلة عن الأمم غيرها .. ثم لا يضيرها بعد ذلك شيئا أن يضل الناس حولها ما دامت هي قائمة على الهدى.

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 775،بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت