قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (35) سورة المائدة
يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ بِتَقْوَاهُ وَطَاعَتِهِ حَقًّا وَصِدْقًا، وَاتِّقَاءِ سَخَطِهِ وَعِقَابِهِ، وَذَلِكَ بِعَدَمِ مُخَالَفَةِ شَرْعِهِ، وَالانْكِفَافِ عَنْ إتْيانِ مَحَارِمِهِ، وَتَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ، وَبِأنْ يَتَقَرَّبُوا إليهِ بَطَاعَتِهِ، وَبِالعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ (وَابْتَغُوا إلَيهِ الوَسِيلَةَ) .ثُمَّ أمَرَهُمْ بِجِهَادِ أعْدائِهِمْ، وَأعْدَاءِ اللهِ، الخَارِجِينَ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ. وَرَغَّبَهُمْ تَعَالَى فِي الجِهَادِ، بِأنْ أبَانَ لَهُمْ مَا أعَدَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ يَوْمَ القَيَامَةِ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ، وَكَرِيمِ المَنْزِلَةِ، فَلَعَلَّهُمْ، إنْ قَامُوا بِأمْرِ رَبِّهِمْ، أنْ يُفْلِحُوا بِالفَوْزِ بِرِضَى اللهِ وَجَنَّتِهِ.
(وَيَشْمُلُ الجِهَادُ كُلَّ جَهْدٍ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الحَقِّ، وَحَمْلِ النَّاسِ عَلَى التِزَامِهِ، كَمَا يَشْمُلُ جِهَادَ النَّفْسِ بِكَفِّهَا عَنْ أهْوائِها، وَحَمْلِها عَلَى العَدْلِ وَالإِنْصَافِ فِي جَمِيعِ الأحْوالِ) [1]
وقال ابن كثير:"يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِتَقْوَاهُ، وَهِيَ إِذَا قُرِنَتْ بِالطَّاعَةِ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا الِانْكِفَافَ عَنِ الْمَحَارِمِ وَتَرْكَ الْمَنْهِيَّاتِ، وَقَدْ قَالَ بَعْدَهَا: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيِ الْقُرْبَةَ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ [وَعَطَاءٌ] وَأَبُو وَائِلٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ."
وَقَالَ قَتَادَةُ: أَيْ تَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ وَالْعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ. وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} [الْإِسْرَاءِ:57] وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَيْهِ قَوْلَ الشَّاعِرِ
إِذَا غَفَل الواشُون عُدنَا لِوصْلنَا ... وعَاد التَّصَافي بَيْنَنَا والوسَائلُ ...
وَالْوَسِيلَةُ: هِيَ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ، وَالْوَسِيلَةُ أَيْضًا: عَلَمٌ عَلَى أَعْلَى مَنْزِلَةٍ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ مَنْزِلَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَدَارُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ أَقْرَبُ أَمْكِنَةِ الْجَنَّةِ إِلَى الْعَرْشِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاَةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ". [2]
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 705،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - صحيح البخاري (1/ 126) (614)
[ش (الدعوة التامة) المراد ألفاظ الأذان يدعى بها إلى عبادة الله تعالى ووصفت بالتمام وهو الكمال لأنها دعوة التوحيد المحكمة التي لا يدخلها نقص بشرك أو نسخ أو تغيير أو تبديل. (الوسيلة) ما يتقرب به إلى غيره. (الفضيلة) المرتبة الزائدة على سائر الخلائق ووالمراد هنا منزلة في الجنة لا تكن إلا لعبد واحد من عباد الله عز وجل. (وعدته) أي بقوله تعالى {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} / الإسراء 79 /. (حلت) استحقت. (شفاعتي) أي أن أشفع له بدخول الجنه أو رفع درجاته حسبما يليق به]