فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 424

وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ» [1]

وَقَوْلُهُ: {وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} لَمَّا أَمَرَهُمْ بِتَرْكِ الْمَحَارِمِ وَفِعْلِ الطَّاعَاتِ، أَمَرَهُمْ بِقِتَالِ الْأَعْدَاءِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ الْخَارِجِينَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، التَّارِكِينَ لِلدِّينِ الْقَوِيمِ، وَرَغَّبَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالَّذِي أَعَدَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنَ الْفَلَاحِ وَالسَّعَادَةِ الْعَظِيمَةِ الْخَالِدَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ الَّتِي لَا تَبِيد وَلَا تَحُول وَلَا تَزُولُ فِي الْغُرَفِ الْعَالِيَةِ الرَّفِيعَةِ الْآمِنَةِ، الْحَسَنَةِ مَنَاظِرُهَا، الطَّيِّبَةُ مَسَاكِنُهَا، الَّتِي مَنْ سَكَنَهَا يَنْعَم لَا يَيْأَسُ، وَيَحْيَا لَا يَمُوتُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ. [2]

إن هذا المنهج المتكامل يأخذ النفس البشرية من أقطارها جميعا ويخاطب الكينونة البشرية من مداخلها جميعا ويلمس أوتارها الحية كلها وهو يدفعها إلى الطاعة ويصدها عن المعصية .. إن الهدف الأول للمنهج هو تقويم النفس البشرية وكفها عن الانحراف. والعقوبة وسيلة من الوسائل الكثيرة. وليست العقوبة غاية، كما أنها ليست الوسيلة الوحيدة. وهنا نرى أنه يبدأ هذا الشوط بنبإ ابني آدم - بكل ما فيه من موحيات - ثم يثني بالعقوبة التي تخلع القلوب. ثم يعقب بالدعوة إلى تقوى اللّه وخشيته والخوف من عقابه. ومع الدعوة التصوير الرعيب للعقاب .. «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ» ..

فالخوف ينبغي أن يكون من اللّه. فهذا هو الخوف اللائق بكرامة الإنسان. أما الخوف من السيف والسوط فهو منزلة هابطة. لا تحتاج إليها إلا النفوس الهابطة .. والخوف من اللّه أولى وأكرم وأزكى .. على أن تقوى اللّه هي التي تصاحب الضمير في السر والعلن وهي التي تكف عن الشر في الحالات التي لا يراها الناس، ولا تتناولها يد القانون. وما يمكن أن يقوم القانون وحده - مع ضرورته - بدون التقوى لأن ما يفلت من يد القانون حينئذ أضعاف أضعاف ما تناله. ولا صلاح لنفس، ولا صلاح لمجتمع يقوم على القانون وحده بلا رقابة غيبية وراءه، وبلا سلطة إلهية يتقيها الضمير.

«وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ» .. اتقوا اللّه واطلبوا إليه الوسيلة وتلمسوا ما يصلكم به من الأسباب .. وفي رواية عن ابن عباس: ابتغوا إليه الوسيلة أي ابتغوا إليه الحاجة. والبشر حين يشعرون بحاجتهم إلى اللّه وحين يطلبون عنده حاجتهم يكونون في الوضع الصحيح للعبودية أمام الربوبية ويكونون - بهذا - في

(1) - صحيح مسلم (1/ 288) 11 - (384) وتفسير ابن كثير ت سلامة (3/ 103)

(الوسيلة) قد فسرها صلى الله عليه وسلم بأنها منزلة في الجنة قال أهل اللغة الوسيلة المنزلة عند الملك (أنا هو) خبر كان وقع موقع إياه هذا على تقدير أن يكون أنا تأكيدا للضمير المستتر في أكون ويحتمل أن يكون أنا مبتدأ وهو خبره والجملة خبر أكون (حلت) أي وجبت وقيل نالته]

(2) - تفسير ابن كثير ت سلامة (3/ 103)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت