قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (28) سورة التوبة
أَمَرَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ بِمَنْعِ المُشْرِكِينَ مِنْ دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَالطوَافِ بِالكَعْبَةِ، بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، (وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي العَامِ التَّاسِعِ لِلْهِجْرَةِ) لأَنَّهُمْ قَذِرُونَ، قَلِيلُو النَّظَافَةِ (نَجَسٌ) ،لِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولَ اللهِ أَنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ هَذا العَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ.
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ: إِذَا خِفْتُمْ بَوَارَ تِجَارَتِكُمْ، وَقِلَّةَ أَرْزَاقِكُمْ، بِسَبَبِ انْقِطَاعِ مَجِيءِ المُشْرِكِينَ إِلَى مَكَّةَ، فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَنْ ذَلِكَ، وَسَيُعَوِّضُ عَلَيْكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ إِنْ شَاءَ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا فِيهِ الخَيْرَ وَالمَصْلَحَةَ، حَكِيمٌ فِيمَا يَشْرَعُهُ وَيُقَرِّرُهُ. [1]
إنما المشركون نجس. يجسم التعبير نجاسة أرواحهم فيجعلها ماهيتهم وكيانهم. فهم بكليتهم وبحقيقتهم نجس، يستقذره الحس، ويتطهر منه المتطهرون! وهو النجس المعنوي لا الحسي في الحقيقة، فأجسامهم ليست نجسة بذاتها. إنما هي طريقة التعبير القرآنية بالتجسيم [2] .
«نَجَسٌ. فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا» .. وتلك غاية في تحريم وجودهم بالمسجد الحرام، حتى لينصبّ النهي على مجرد القرب منه، ويعلل بأنهم نجس وهو الطهور! ولكن الموسم الاقتصادي الذي ينتظره أهل مكة والتجارة التي يعيش عليها معظم الظاهرين في الجزيرة ورحلة الشتاء والصيف التي تكاد تقوم عليها الحياة ... إنها كلها ستتعرض للضياع بمنع المشركين من الحج وبإعلان الجهاد العام على المشركين كافة .. نعم! ولكنها العقيدة. واللّه يريد أن تخلص القلوب كلها للعقيدة! وبعد ذلك، فاللّه هو المتكفل بأمر الرزق من وراء الأسباب المعهودة المألوفة: «وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ» ..
وحين يشاء اللّه يستبدل أسبابا بأسباب وحين يشاء يغلق بابا ويفتح الأبواب ..
«إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» .. يدبر الأمر كله عن علم وعن حكمة، وعن تقدير وحساب ..
لقد كان المنهج القرآني يعمل، في المجتمع المسلم الذي نشأ من الفتح والذي لم تكن مستوياته الإيمانية قد تناسقت بعد ..
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1264،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - يراجع فصل «التخييل الحسي والتجسيم» في كتاب: «التصوير الفني في القرآن» . «دار الشروق» . (السيد رحمه الله)