فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 424

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (11) سورة المائدة

وَفِي هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِنِعْمَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِمْ إذْ دَفَعَ الشَّرَّ وَالمَكْرُوهَ عَنْ نَبِيِّهِمْ - صلى الله عليه وسلم - وَعَنْهُمْ، حِينما هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَمُدُّوا أَيْدِيَهُمْ إِلَيْهِمْ بِصُنُوفِ الشَّرِّ وَالإِيذَاءِ، فَكَفَّ اللهُ تَعَالَى بِلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ أيْدِيَهُمْ عَنِ المُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا تَنْفِيذَ مَا هَمُّوا بِهِ.

وَيَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَتَّقُوهُ، وَهُوَ تَعَالَى الذِي أرَاهُمْ قُدْرَتَهُ عَلَى أعْدَائِهِمْ وَقْتَ ضَعْفِ المُؤْمِنِينَ، وَقُوَّةِ أعْدَائِهِمْ، وَيَأمُرُهُمْ بِأنْ يَتَوَكَّلُوا عَلَيهِ وَحْدَهُ، بَعْدَ أنْ أرَاهُمْ عِنَايَتَهُ بِمَنْ يَتَوَكَّلُونَ عَلَيهِ [1] .

قال الطبري:""وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ , قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى اللَّهُ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ نِعْمَتَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ , الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِمْ فِي اسْتِنْقَاذِهِ نَبِيَّهُمْ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - , مِمَّا كَانَتْ يَهُودُ بَنِي النَّضِيرِ هَمَّتْ بِهِ مِنْ قَتْلِهِ وَقَتْلِ مَنْ مَعَهُ يَوْمَ سَارَ إِلَيْهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الدِّيَةِ الَّتِي كَانَ تَحَمَّلَهَا عَنْ قَتِيلَيْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصِّحَّةَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ , لِأَنَّ اللَّهَ عَقِبَ ذِكْرِ ذَلِكَ بِرَمْيِ الْيَهُودِ بِصَنَائِعِهَا وَقَبِيحِ أَفْعَالِهَا وَخِيَانَتِهَا رَبَّهَا وَأَنْبِيَاءَهَا. ثُمَّ أَمَرَ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ وَالصَّفْحِ عَنْ عَظِيمِ جَهْلِهِمْ , فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يُؤْمَرْ بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ وَالصَّفْحِ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} [المائدة:11] وَمَنْ غَيْرُهُمْ كَانَ يَبْسُطُ الْأَيْدِي إِلَيْهِمْ , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الَّذِينَ هَمُّوا بِبَسْطِ الْأَيْدِي إِلَيْهِمْ غَيْرَهُمْ لَكَانَ حَرِيًّا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنْهُمْ لَا عَمَّنْ لَمْ يَجْرِ لَهُمْ بِذَلِكَ ذِكْرٌ , وَلَكَانَ الْوَصْفُ بِالْخِيَانَةِ فِي وَصْفِهِمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا فِي وَصْفِ مَنْ لَمْ يَجْرِ لِخِيَانَتِهِ ذِكْرٌ , فَفِي ذَلِكَ مَا يُنْبِئُ عَنْ صِحَّةِ مَا قَضَيْنَا لَهُ بِالصِّحَّةِ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ فِي ذَلِكَ دُونَ مَا خَالَفَهُ" [2] "

وأيا ما كان الحادث، فإن عبرته في هذا المقام هي المنشودة في المنهج التربوي الفريد، وهي إماتة الغيظ والشنآن لهؤلاء القوم في صدور المسلمين. كي يفيئوا إلى الهدوء والطمأنينة وهم يرون أن اللّه هو راعيهم وكالئهم.

وفي ظل الهدوء والطمأنينة يصبح ضبط النفس، وسماحة القلب، وإقامة العدل ميسورة. ويستحيي المسلمون أن لا يفوا بميثاقهم مع اللّه وهو يرعاهم ويكلؤهم، ويكف الأيدي المبسوطة إليهم.

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 681،بترقيم الشاملة آليا)

(2) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (8/ 233)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت