إليه بكدحهم وكدهم في تحقيق هذه المبادئ؟ يهتف ألف هاتف بالعدل. وبالتطهر. وبالتحرر. وبالتسامي. وبالسماحة. وبالحب. وبالتضحية. وبالإيثار ...
ولكن هتافهم لا يهز ضمائر الناس ولا يفرض نفسه على القلوب. لأنه دعاء ما أنزل اللّه به من سلطان! ليس المهم هو الكلام .. ولكن المهم من وراء هذا الكلام! ويسمع الناس الهتاف من ناس مثلهم بالمبادئ والمثل والشعارات - مجردة من سلطان اللّه - ولكن ما أثرها؟
إن فطرتهم تدرك أنها توجيهات من بشر مثلهم. تتسم بكل ما يتسم به البشر من جهل وعجز وهوى وقصور. فتتلقاها فطرة الناس على هذا الأساس. فلا يكون لها على فطرتهم من سلطان! ولا يكون لها في كيانهم من هزة، ولا يكون لها في حياتهم من أثر إلا أضعف الأثر! ثم إن قيمة هذه «الوصايا» في الدين، أنها تتكامل مع «الإجراءات» لتكييف الحياة. فهو لا يلقيها مجردة في الهواء .. فأما حين يتحول الدين إلى مجرد وصايا وإلى مجرد شعائر فإن وصاياه لا تنفذ ولا تتحقق! كما نرى ذلك الآن في كل مكان ..
إنه لا بد من نظام للحياة كلها وفق منهج الدين وفي ظل هذا النظام ينفذ الدين وصاياه. ينفذها في أوضاع واقعية تتكامل فيها الوصايا والإجراءات! .. وهذا هو «الدين» في المفهوم الإسلامي دون سواه .. الدين الذي يتمثل في نظام يحكم كل جوانب الحياة.
وحين تحقق «الدين» بمفهومه هذا في حياة الجماعة المسلمة أطلت على البشرية كلها من تلك القمة السامقة والتي ما تزال سامقة على سفوح الجاهلية الحديثة كما كانت سامقة على سفوح الجاهلية العربية وغيرها على السواء .. وحين تحول «الدين» إلى وصايا على المنابر وإلى شعائر في المساجد وتخلى عن نظام الحياة .. لم يعد لحقيقة الدين وجود في الحياة!. [1]
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 1233)