فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 424

ويعقب عليه بما يعين عليه أيضا: «وَاتَّقُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ» ..

إن النفس البشرية لا ترتقي هذا المرتقى قط، إلا حين تتعامل في هذا الأمر مباشرة مع اللّه. حين تقوم للّه، متجردة عن كل ما عداه. وحين تستشعر تقواه، وتحس أن عينه على خفايا الضمير وذات الصدور.

وما من اعتبار من اعتبار ات الأرض كلها يمكن أن يرفع النفس البشرية إلى هذا الأفق، ويثبتها عليه.

وما غير القيام للّه، والتعامل معه مباشرة، والتجرد من كل اعتبار آخر، يملك أن يستوي بهذه النفس على هذا المرتقى.

وما من عقيدة أو نظام في هذه الأرض يكفل العدل المطلق للأعداء المشنوئين، كما يكفله لهم هذا الدين حين ينادي المؤمنين به أن يقوموا للّه في هذا الأمر وأن يتعاملوا معه، متجردين عن كل اعتبار.

وبهذه المقوّمات في هذا الدين كان الدين العالمي الإنساني الأخير الذي يتكفل نظامه للناس جميعا - معتنقيه وغير معتنقيه - أن يتمتعوا في ظله بالعدل وأن يكون هذا العدل فريضة على معتنقيه، يتعاملون فيها مع ربهم، مهما لاقوا من الناس من بغض وشنآن ..

وإنها لفريضة الأمة القوامة على البشرية: مهما يكن فيها من مشقة وجهاد.

ولقد قامت هذه الأمة بهذه القوامة وأدت تكاليفها هذه يوم استقامت على الإسلام. ولم تكن هذه في حياتها مجرد وصايا، ولا مجرد مثل عليا، ولكنها كانت واقعا من الواقع في حياتها اليومية، واقعا لم تشهد البشرية مثله من قبل ولا من بعد، ولم تعرفه في هذا المستوي إلا في الحقبة الإسلامية المنيرة .. والأمثلة التي وعاها التاريخ في هذا المجال كثيرة مستفيضة. تشهد كلها بأن هذه الوصايا والفرائض الربانية، قد استحالت في حياة هذه الأمة منهجا في عالم الواقع يؤدى ببساطة، ويتمثل في يوميات الأمة المألوفة .. إنها لم تكن مثلا عليا خيالية، ولا نماذج كذلك فردية. إنما كانت طابع الحياة الذي لا يرى الناس أن هناك طريقا آخر سواه.

وحين نطل من هذه القمة السامقة على الجاهلية في كل أعصارها وكل ديارها - بما فيها جاهلية العصور الحديثة - ندرك المدى المتطاول بين منهج يصنعه اللّه للبشر، ومناهج يصنعها الناس للناس. ونرى المسافة التي لا تعبر بين آثار هذه المناهج وآثار ذلك المنهج الفريد في الضمائر والحياة.

إن الناس قد يعرفون المبادئ ويهتفون بها .. ولكن هذا شيء، وتحقيقها في عالم الواقع شيء آخر ..

وهذه المبادئ التي يهتف بها الناس للناس طبيعي، ألا تتحقق في عالم الواقع .. فليس المهم أن يدعى الناس إلى المبادئ ولكن المهم هو من يدعوهم إليها .. المهم هو الجهة التي تصدر منها الدعوة .. المهم هو سلطان هذه الدعوة على الضمائر والسرائر .. المهم هو المرجع الذي يرجع إليه الناس بحصيلة كدهم وكدحهم لتحقيق هذه المبادئ ..

وقيمة الدعوة الدينية إلى المبادئ التي تدعو إليها، هو سلطان الدين المستمد من سلطان اللّه، فما يقوله فلان وعلان علام يستند؟ وأي سلطان له على النفوس والضمائر؟ وماذا يملك للناس حين يعودون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت