قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) } سورة محمد
يَحُثَّ اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ عَلَى الجِهَادِ، وَيُعْلِمُهُمْ بَأنَّه يَنْصُرُهُمْ إذا أخْلَصُوا النيَّةَ في قِتَالِ أعدائِهِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إنَّهُمْ إذا نَصَرُوا دِينَ اللهِ نَصَرَهُمُ اللهُ عَلَى أعْدائِهِمْ، وثَّبتَ أقْدَامَهُمْ في الحَرْبِ وَفي الدِّينِ. وَالذِينَ كَفَرُوا باللهِ فَخِزْيًا لَهُمْ وَشَقَاءً، وَأَبْطَلَ اللهُ أعْمَالَهُمْ، وَجَعَلَهَا عَلَى غَيرِ هُدىً واستِقَامةٍ لأنَّها عُمِلَتْ لِلشَّيْطَانِ فَتَعْسًا لَهُمْ - فَعِثَارًا أوْ شَقَاءً لَهُمْ.
وَقَدْ أتْعَسَ اللهُ الكَافِرِينَ وَأخْزَاهُمْ وَأضَلَّ أعْمَالَهُمْ، لأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أنزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ قُرآنٍ وَأحْكَامٍ وَشَرْعٍ وَتَكَالِيفَ. أفَلَم يَسِرْ هَؤُلاءِ المُكَذِّبونَ في الأَرْضِ لِيَرَوا كَيْفَ عَاقَبَ اللهُ المُكَذِّبينَ مِنَ الأمَمِ السَّالِفَةِ، لَقَدْ دَمَّرَ قُراهُمْ وَبُيُوتَهُمْ، وأهْلَكَ أولادَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ، أفَلا يَعْتَبِرُ هَؤُلاءِ بِما نَزَلَ بِمَنْ سَبَقَهُمْ مِنَ المُكَذِّبينَ، وَيَنْتَهُونَ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ وَالغَيِّ والضِّلاَلَةِ؟
وَكَما أهْلَكَ اللهُ المُكَذِّبينَ السَّابِقِينَ، وَنجَّى المُؤْمِنينَ مِنْ بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، كَذلِكَ يَفْعَلُ اللهُ بالكَافِرينَ، السَّائِرينَ سِيرَتَهُمْ. وَقَدْ دَمَّرَ اللهُ عَلَى الكَافِرينَ، وَنَجَّى المُؤْمِنينَ وَأَظْهَرَهُمْ عَلَى الكَافِرينَ، لأنَّ اللهَ مَوْلى الذِينَ آمَنُوا وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ وأطَاعُوهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُمْ وَحَافِظُهُمْ، وَلأنَّ الكَافِرينَ لاَ ناصِرَ لَهُمْ فَيَدْفَعُ عَنْهُمُ العُقًُوبَةَ وَالعَذَابَ. [1]
إن للّه في نفوسهم أن تتجرد له، وألا تشرك به شيئا، شركا ظاهرا أو خفيا، وألا تستبقي فيها معه أحدا ولا شيئا، وأن يكون اللّه أحب إليها من ذاتها ومن كل ما تحب وتهوى، وأن تحكمه في رغباتها ونزواتها وحركاتها وسكناتها، وسرها وعلانيتها، ونشاطها كله وخلجاتها .. فهذا نصر اللّه في ذوات النفوس.
وإن للّه شريعة ومنهاجا للحياة، تقوم على قواعد وموازين وقيم وتصور خاص للوجود كله وللحياة. ونصر اللّه يتحقق بنصرة شريعته ومنهاجه، ومحاولة تحكيمها في الحياة كلها بدون استثناء، فهذا نصر اللّه في واقع الحياة.
ونقف لحظة أمام قوله تعالى: «وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .. وقوله: «إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ» ..
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 4431،بترقيم الشاملة آليا)