فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 424

وفى كلتا الحالتين. حالة القتل. وحالة النصرة. يشترط أن يكون هذا للّه وفي سبيل اللّه. وهي لفتة بديهية، ولكن كثيرا من الغبش يغطي عليها عندما تنحرف العقيدة في بعض الأجيال. وعندما تمتهن كلمات الشهادة والشهداء والجهاد وترخص، وتنحرف عن معناها الوحيد القويم.

إنه لا جهاد، ولا شهادة، ولا جنة، إلا حين يكون الجهاد في سبيل اللّه وحده، والموت في سبيله وحده، والنصرة له وحده، في ذات النفس وفي منهج الحياة.

لا جهاد ولا شهادة ولا جنة إلا حين يكون الهدف هو أن تكون كلمة اللّه هي العليا. وأن تهيمن شريعته ومنهاجه في ضمائر الناس وأخلاقهم وسلوكهم، وفي أوضاعهم وتشريعهم ونظامهم على السواء.

عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً أَىُّ ذَلِكَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ» [1] .

وليس هنالك من راية أخرى، أو هدف آخر، يجاهد في سبيله من يجاهد، ويستشهد دونه من يستشهد، فيحق له وعد اللّه بالجنة. إلا تلك الراية وإلا هذا الهدف. من كل ما يروج في الأجيال المنحرفة التصور من رايات وأسماء وغايات!

ويحسن أن يدرك أصحاب الدعوة هذه اللفتة البديهية، وأن يخلصوها في نفوسهم من الشوائب التي تعلق بها من منطق البيئة وتصور الأجيال المنحرفة، وألا يلبسوا برايتهم راية، ولا يخلطوا بتصورهم تصورا غريبا على ضيعة العقيدة. لا جهاد إلا لتكون كلمة اللّه هي العليا. العليا في النفس والضمير. والعليا في الخلق والسلوك. والعليا في الأوضاع والنظم. والعليا في العلاقات والارتباطات في كل أنحاء الحياة. وما عدا هذا فليس للّه. ولكن للشيطان. وفيما عدا هذا ليست هناك شهادة ولا استشهاد. وفيما عدا هذا ليس هنالك جنة ولا نصر من عند اللّه ولا تثبيت للأقدام. وإنما هو الغبش وسوء التصور والانحراف.

وان عز على غير أصحاب الدعوة للّه أن يتخلصوا من هذا الغبش وسوء التصور والانحراف، فلا أقل من أن يخلص الدعاة إلى اللّه أنفسهم ومشاعرهم وتصورهم من منطق البيئة الذي لا يتفق مع البديهية الأولى في شرط اللّه ..

وبعد فهذا شرط اللّه على الذين آمنوا. فأما شرطه لهم فهو النصر وتثبيت الأقدام. وعد اللّه لا يخلفه. فإذا تخلف فترة فهو أجل مقدر لحكمة أخرى تتحقق مع تحقق النصر والتثبيت [2] .ذلك حين

(1) - صحيح مسلم- المكنز [12/ 447] 5029

(2) - تراجع الظلال في سورة الحج عند قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا» من ص 2424 إلى ص 2427 من جزء 17. (السيد رحمه الله)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت