-صلى الله عليه وسلم - عَلَيْهِمْ، ثُمَّ سَلَّمُوا عَلَى الْقَوْمِ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ، فَقَامُوا عَلَى أَرْجُلِهِمْ يَنْتَظِرُونَ أَنْ يُوسَعَ لَهُمْ، فَعَرَفَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْقِيَامِ، فَلَمْ يُفْسَحْ لَهُمْ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ بَدْرٍ: قُمْ يَا فُلانُ، وَأَنْتَ يَا فُلانُ، فَلَمْ يَزَلْ يُقِيمُهُمْ بِعَدَّةِ النَّفَرِ الَّذِينَ هُمْ قِيَامٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ أُقِيمَ مِنْ مَجْلِسِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ".رواه بن أبي حاتم. [1] ."
وإذا صحت هذه الرواية فإنها لا تتنافى مع الأحاديث الأخرى التي تنهى عن أن يقيم الرجل الرجل من مكانه ليجلس فيه. كما جاء في الصحيح عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «لاَ يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ» [2] ...
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:لاَ يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ فَيَجْلِسَ فِيهِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا. [3]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: لاَ يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلَكِنْ افْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ. [4]
وما ورد كذلك من ضرورة استقرار القادم حيث انتهى به المجلس. فلا يتخطى رقاب الناس ليأخذ مكانا في الصدر! فالآية تحض على الإفساح للقادم ليجلس، كما تحض على إطاعة الأمر إذا قيل الجالس أن يرفع فيرفع. وهذا الأمر يجيء من القائد المسئول عن تنظيم الجماعة. لا من القادم.
والغرض هو إيجاد الفسحة في النفس قبل إيجاد الفسحة في المكان. ومتى رحب القلب اتسع وتسامح، واستقبل الجالس إخوانه بالحب والسماحة، فأفسح لهم في المكان عن رضى وارتياح. فأما إذا رأى القائد أن هناك اعتبارا من الاعتبارات يقتضي إخلاء المكان فالطاعة يجب أن ترعى عن طواعية نفس ورضى خاطر وطمأنينة بال. مع بقاء القواعد الكلية مرعية كذلك، من عدم تخطي الرقاب أو إقامة الرجل للرجل ليأخذ مكانه.
وإنما هي السماحة والنظام يقررهما الإسلام. والأدب الواجب في كل حال.
(1) - تفسير ابن أبي حاتم [12/ 294] وتفسير ابن كثير - دار طيبة [8/ 45] دون سند
قال الطبري:"وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَفَسَّحُوا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يُخَصِّصْ بِذَلِكَ مَجْلِسَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - دُونَ مَجْلِسِ الْقِتَالِ، وَكِلَا الْمَوْضِعَيْنِ يُقَالُ لَهُ مَجْلِسٌ، فَذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ الْمَجَالِسِ مِنْ مَجَالِسِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَجَالِسِ الْقِتَالِ. وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: (تَفَسَّحُوا فِي الْمَجْلِسِ) عَلَى التَّوْحِيدِ غَيْرَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَاصِمٍ، فَإِنَّهُمَا قَرَآ ذَلِكَ فِي الْمَجَالِسِ عَلَى الْجِمَاعِ. وَبِالتَّوْحِيدِ قِرَاءَةُ ذَلِكَ عِنْدَنَا؛ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ"جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (31262)
(2) - صحيح البخارى- المكنز [21/ 21] 6269
(3) - مسند أحمد (عالم الكتب) [2/ 256] (4659) صحيح
(4) - مسند أحمد (عالم الكتب) [3/ 775] (10776) 10786 صحيح