وعلى طريقة القرآن في استجاشة الشعور عند كل تكليف، فإنه يعد المفسحين في المجالس بفسحة من اللّه لهم وسعة: «فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ» .. ويعد الناشزين الذين يرفعون من المكان ويخلونه عن طاعة لأمر الرسول برفعة في المقام: «وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ» .. وذلك جزاء تواضعهم وقيامهم عند تلقي الأمر بالقيام.
وقد كانت المناسبة مناسبة قرب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لتلقي العلم في مجلسه. فالآية تعلمهم: أن الإيمان الذي يدفع إلى فسحة الصدر وطاعة الأمر، والعلم الذي يهذب القلب فيتسع ويطيع يؤديان إلى الرفعة عند اللّه درجات. وفي هذا مقابل لرفعة المكان الذي تطوعوا بتركه ورفعوا عنه لاعتبار رآه الرسول - صلى الله عليه وسلم - «وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» .. فهو يجزي به عن علم ومعرفة بحقيقة ما تعملون، وبما وراءه من شعور مكنون.
وهكذا يتولى القرآن تربية النفوس وتهذيبها، وتعليمها الفسحة والسماحة والطاعة بأسلوب التشويق والاستجاشة. فالدين ليس بالتكاليف الحرفية، ولكنه تحول في الشعور، وحساسية في الضمير .. [1]
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 4387)