فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 424

«قال اللّه تعالى: «وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ» روى أبو نضرة عن أبي سعيد أن ذلك إنما كان يوم بدر. قال أبو نضرة لأنهم لو انحازوا يومئذ لانحازوا إلى المشركين، ولم يكن يومئذ مسلم غيرهم .. وهذا الذي قاله أبو نضرة ليس بسديد، لأنه قد كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار، ولم يأمرهم النبي عليه السلام بالخروج، ولم يكونوا يرون أنه يكون قتال، وإنما ظنوا أنها العير، فخرج رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فيمن خف معه. فقول أبي نضرة إنه لم يكن هناك مسلم غيرهم وإنهم لو انحازوا، انحازوا إلى المشركين، غلط لما وصفنا .. وقد قيل: إنه لم يكن جائزا لهم الانحياز يومئذ لأنهم كانوا مع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن الانحياز جائزا لهم عنه، قال اللّه تعالى: «ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ» :فلم يكن يجوز لهم أن يخذلوا نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وينصرفوا عنه ويسلموه، وإن كان اللّه قد تكفل بنصره وعصمه من الناس، كما قال اللّه تعالى: «وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» وكان ذلك فرضا عليهم، قلت أعداؤهم أو كثروا، وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان فئة المسلمين يومئذ، ومن كان بمنحاز عن القتال فإنما كان يجوز له الانحياز على شرط أن يكون انحيازه إلى فئة، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - فئتهم يومئذ، ولم تكن فئة غيره. عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ فِي سَرِيَّةٍ مِنْ سَرَايَا رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً، وَكُنْتُ فِيمَنْ حَاصَ فَقُلْنَا: كَيْفَ نَصْنَعُ؟ وَقَدْ فَرَرْنَا مِنَ الزَّحْفِ، وَبُؤْنَا بِالْغَضَبِ، ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ فَبِتْنَا، ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ عَرَضْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَإِنْ كَانَتْ لَهُ تَوْبَةٌ، وَإِلاَّ ذَهَبْنَا فَأَتَيْنَاهُ قَبْلَ صَلاَةِ الْغَدَاةِ فَخَرَجَ، فَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ؟ قَالَ: فَقُلْنَا: نَحْنُ الْفَرَّارُونَ، قَالَ: لاَ بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ، أَنَا فِئَتُكُمْ وَأَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: فَأَتَيْنَاهُ حَتَّى قَبَّلْنَا يَدَهُ [1] .

فمن كان بالبعد من النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا انحاز عن الكفار فإنما كان يجوز له الانحياز إلى فئة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإذا كان معهم في القتال لم يكن هناك فئة غيره ينحازون إليه، فلم يكن يجوز لهم الفرار. وقال الحسن في قوله تعالى: «وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ» قال: شددت على أهل بدر. وقال اللّه تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا» وذلك لأنهم فروا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك يوم حنين فروا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعاقبهم اللّه على ذلك في قوله تعالى: «وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا، وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ» ..

فهذا كان حكمهم إذا كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قل العدو أو كثر، إذا لم يجد اللّه فيه شيئا ..

وقال اللّه تعالى في آية أخرى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ، إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا» وهذا - واللّه أعلم - في الحال التي لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - حاضرا معهم، فكان على العشرين أن يقاتلوا المائتين لا يهربوا

(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) [2/ 386] (5384) حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت