جزء من الشريعة واجب النفاذ .. والإيمان يتعلق - وجودا وعدما - بهذه الطاعة وهذا التنفيذ - بنص القرآن: «إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» .. فأما أولو الأمر فالنص يعين من هم.
«وَأُولِي الْأَمْرِ .. مِنْكُمْ .. » أي من المؤمنين .. الذين يتحقق فيهم شرط الإيمان وحد الإسلام المبين في الآية .. من طاعة اللّه وطاعة الرسول وإفراد اللّه - سبحانه - بالحاكمية وحق التشريع للناس ابتداء والتلقي منه وحده - فيما نص عليه - والرجوع إليه أيضا فيما تختلف فيه العقول والأفهام والآراء، مما لم يرد فيه نص لتطبيق المبادئ العامة في النصوص عليه. والنص يجعل طاعة اللّه أصلا وطاعة رسوله أصلا كذلك - بما أنه مرسل منه - ويجعل طاعة أولي الأمر .. منكم .. تبعا لطاعة اللّه وطاعة رسوله. فلا يكرر لفظ الطاعة عند ذكرهم، كما كررها عند ذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليقرر أن طاعتهم مستمدة من طاعة اللّه وطاعة رسوله - بعد أن قرر أنهم «منكم» بقيد الإيمان وشرطه ..
وطاعة أولي الأمر .. منكم .. بعد هذه التقريرات كلها، في حدود المعروف المشروع من اللّه، والذي لم يرد نص بحرمته ولا يكون من المحرم عند ما يرد إلى مبادئ شريعته، عند الاختلاف فيه .. والسنة تقرر حدود هذه الطاعة، على وجه الجزم واليقين: في الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ، فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ» [1] .
وعَنْ عَلِىٍّ - رضى الله عنه - قَالَ بَعَثَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ فَقَالَ أَلَيْسَ أَمَرَكُمُ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ تُطِيعُونِى. قَالُوا بَلَى. قَالَ فَاجْمَعُوا لِى حَطَبًا. فَجَمَعُوا، فَقَالَ أَوْقِدُوا نَارًا. فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ ادْخُلُوهَا. فَهَمُّوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا، وَيَقُولُونَ فَرَرْنَا إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ النَّارِ. فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتِ النَّارُ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ «لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الطَّاعَةُ فِى الْمَعْرُوفِ» [2] .
وأخرج عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ سَمِعْتُ جَدَّتِى تُحَدِّثُ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَقُولُ «وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا» [3] .
وعن يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَدَّتَهُ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ وَهُوَ يَقُولُ: وَلَوْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، قَالَ عَبْدُ اللهِ: وسَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: إِنِّي لأَرَى لَهُ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ [4] .
(1) - صحيح البخارى- المكنز [23/ 363] (7144) وأخرجه الجماعة المسند الجامع [10/ 1259] (8159)
(2) - صحيح البخارى- المكنز [14/ 256] (4340) وصحيح مسلم- المكنز [12/ 255] (4871)
(3) - صحيح مسلم- المكنز [12/ 248] (4864)
(4) - مسند أحمد (عالم الكتب) [8/ 809] (27269) 27812 صحيح
فالعبرة هي الحكم بما أنزل الله ليس إلا، ولا قيمة لأي حاكم مهما علا كعبه إذا لم يحكم بما أنزل الله.