فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 424

والتثاقل في جرسها. وذلك من بدائع التصوير الفني في القرآن، الذي يرسم حالة كاملة بلفظة واحدة [1] .

وكذلك يشي تركيب الجملة كلها: «وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ» ،بأن هؤلاء المبطئين - وهم معدودون من المسلمين - «منكم» يزاولون عملية التبطئة كاملة، ويصرون عليها إصرارا، ويجتهدون فيها اجتهادا .. وذلك بأسلوب التوكيد بشتى المؤكدات في الجملة! مما يوحي بشدة إصرار هذه المجموعة على التبطئة، وشدة أثرها في الصف المسلم وشدة ما يلقاه منها! ومن ثم يسلط السياق الأضواء الكاشفة عليهم، وعلى دخيلة نفوسهم ويرسم حقيقتهم المنفرة، على طريقة القرآن التصويرية العجيبة:

فها هم أولاء، بكل بواعثهم، وبكل طبيعتهم وبكل أعمالهم وأقوالهم .. هاهم أولاء مكشوفين للأعين، كما لو كانوا قد وضعوا تحت مجهر، يكشف النوايا والسرائر ويكشف البواعث والدوافع.

ها هم أولاء - كما كانوا على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكما يكونون في كل زمان وكل مكان. ها هم أولاء. ضعافا منافقين ملتوين صغار الاهتمامات أيضا: لا يعرفون غاية أعلى من صالحهم الشخصي المباشر، ولا أفقا أعلى من ذواتهم المحدودة الصغيرة. فهم يديرون الدنيا كلها على محور واحد. وهم هم هذا المحور الذي لا ينسونه لحظة! إنهم يبطئون ويتلكأون، ولا يصارحون، ليمسكوا العصا من وسطها كما يقال! وتصورهم للربح والخسارة هو التصور الذي يليق بالمنافقين الضعاف الصغار:

يتخلفون عن المعركة .. فإن أصابت المجاهدين محنة، وابتلوا الابتلاء الذي يصيب المجاهدين - في بعض الأحايين - فرح المتخلفون وحسبوا أن فرارهم من الجهاد، ونجاتهم من الابتلاء نعمة: «فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا» ..

إنهم لا يخجلون - وهم يعدون هذه النجاة مع التخلف نعمة - أن ينسبوها للّه. اللّه الذي خالفوا عن أمره فقعدوا! والنجاة في هذه الملابسة لا تكون من نعمة اللّه أبدا. فنعمة اللّه لا تنال بالمخالفة. ولو كان ظاهرها نجاة! إنها نعمة! ولكن عند الذين لا يتعاملون مع اللّه. عند من لا يدركون لماذا خلقهم اللّه. ولا يعبدون اللّه بالطاعة والجهاد لتحقيق منهجه في الحياة. نعمة عند من لا يتطلعون إلى آفاق أعلى من مواطىء الأقدام في هذه الأرض .. كالنمال .. نعمة عند من لا يحسون أن البلاء - في سبيل اللّه وفي الجهاد لتحقيق منهج اللّه وإعلاء كلمة اللّه - هو فضل واختيار من اللّه، يختص به من يشاء من عباده ليرفعهم في الحياة الدنيا على ضعفهم البشري، ويطلقهم من إسار الأرض يستشرفون حياة رفيعة، يملكونها ولا تملكهم. وليؤهلهم بهذا الانطلاق وذلك الارتفاع للقرب منه في الآخرة .. في منازل الشهداء

(1) - يراجع فصل «التناسق الفني» في كتاب: «التصوير الفني في القرآن» . «دار الشروق» (السيد رحمه الله)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت