الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [1] .
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: خَرَجَ الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ فِي سَرِيَّةٍ، فَمَرُّوا بِرَجُلٍ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ، فَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَقَالَ الْمِقْدَادُ: وَدَّ لَوْ فَرَّ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمُوا، ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،فَنَزَلَتْ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا، وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قَالَ: الْغَنِيمَةُ، {فَعَندَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ} قَالَ: تَكْتُمُونَ إِيمَانَكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} فَأَظْهَرَ الإِسْلاَمَ، {فَتَبَيَّنُوا} وَعِيدًا مِنَ اللهِ، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} . [2]
وعن أبي ظَبْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، قَالَ: وَلَحِقْتُ أَنَا، وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيُّ وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي فَقَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -،فَقَالَ: يَا أُسَامَةُ قَتَلْتُهُ، بَعْدَمَا قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا قَالَ مُتَعَوِّذًا، فَقَالَ: طَعَنْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. [3]
ومن ثم نزلت الآية، تحرج على مثل هذا التصرف وتنفض عن قلوب المؤمنين كل شائبة من طمع في الغنيمة أو تسرع في الحكم .. وكلاهما يكرهه الإسلام.
إن عرض الحياة الدنيا لا يجوز أن يدخل للمسلمين في حساب إذا خرجوا يجاهدون في سبيل اللّه. إنه ليس الدافع إلى الجهاد ولا الباعث عليه .. وكذلك التسرع بإهدار دم قبل التبين. وقد يكون دم مسلم عزيز، لا يجوز أن يراق.
واللّه سبحانه يذكر الذين آمنوا بجاهليتهم القريبة وما كان فيها من تسرع ورعونة وما كان فيها من طمع في الغنيمة. ويمن عليهم أن طهر نفوسهم ورفع أهدافهم، فلم يعودوا يغزون ابتغاء عرض الحياة الدنيا كما كانوا في جاهليتهم. ويمن عليهم أن شرع لهم حدودا وجعل لهم نظاما فلا تكون الهيجة الأولى هي الحكم الآخر.
كما كانوا في جاهليتهم كذلك .. وقد يتضمن النص إشارة إلى أنهم هم كذلك كانوا يخفون إسلامهم - على قومهم - من الضعف والخوف، فلا يظهرونه إلا عند الأمن مع المسلمين، وأن ذلك الرجل
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) [7/ 912] (( 23881) 24378) حسن
(2) - مصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة [14/ 580] (29543) فيه انقطاع
(3) - صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [11/ 57] (4751) صحيح - الروايات من عندي أشار إليها السيد رحمه الله فقط