فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 424

عَطَاءٌ، عَنْ سَعِيدٍ،"فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى"يَعْنِي إِذَا كَانَ عَمْدًا الْحُرُّ بِالْحُرِّ، وَذَلِكَ أَنَّ حَيَّيْنِ مِنَ الْعَرَبِ اقْتَتَلُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ الإِسْلامِ بِقَلِيلٍ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ قَتْلٌ وَجِرَاحَاتٌ حَتَّى قَتَلُوا الْعَبِيدَ وَالنِّسَاءَ، فَلَمْ يَأْخُذْ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى أَسْلَمُوا، فَكَانَ أَحَدُ الْحَيَّيْنِ يَتَطَاوَلُ عَلَى الآخَرِ فِي الْعِدَّةِ وَالأَمْوَالِ، فَحَلَفُوا أَلا يَرْضَوْا، حَتَّى يَقْتُلُوا بِالْعَبْدِ مِنَّا، الْحُرَّ مِنْهُمْ، وَالْمَرْأَةِ مِنَّا، بِالرَّجُلِ مِنْهُمْ، فَنَزَلَ فِيهِمْ:"الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى"،مِنْهُمَا مَنْسُوخَةٌ نَسَخَتْهَا:"النَّفْسُ بِالنَّفْسِ""،وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ نَحْوُ ذَلِكَ. [1]

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ:"كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحَرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ قَالَ: كَانُوا لَا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالْمَرْأَةِ، وَلَكِنْ يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةَ بِالْمَرْأَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ قَالَ: فَجَعَلَ الْأَحْرَارَ فِي الْقِصَاصِ سَوَاءً فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْعَمْدِ، رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ فِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ مُتَسَاوِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْعَمْدِ فِي النَّفْسِ، وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ" [2]

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ:"كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحَرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ قَالَ: كَانُوا لَا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالْمَرْأَةِ، وَلَكِنْ يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةَ بِالْمَرْأَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ قَالَ: فَجَعَلَ الْأَحْرَارَ فِي الْقِصَاصِ سَوَاءً فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْعَمْدِ، رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ فِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ مُتَسَاوِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْعَمْدِ فِي النَّفْسِ، وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ" [3]

والذي يظهر لنا أن موضع هذه الآية غير موضع آية النفس بالنفس .. وأن لكل منهما مجالا غير مجال الأخرى. وأن آية النفس بالنفس مجالها مجال الاعتداء الفردي من فرد معين على فرد معين، أو من أفراد معينين على فرد أو أفراد معينين كذلك. فيؤخذ الجاني ما دام القتل عمدا .. فأما الآية التي نحن بصددها فمجالها مجال الاعتداء الجماعي - كحالة ذينك الحيين من العرب - حيث تعتدي أسرة على أسرة، أو

(1) - تفسير ابن أبي حاتم - (1/ 444) (1588) حسن مرسل

(2) - النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخِ لِلْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ (209) صحيح مرسل زيادة مني

(3) - النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخِ لِلْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ (210) حسن - زيادة مني

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:"يَذْهَبُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا نَرَى إِلَى أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ لَيْسَتْ بِنَاسِخَةٍ لِلَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: الْحَرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَلَا هِيَ خِلَافُهَا، وَلَكِنَّهُمَا جَمِيعًا مُحْكَمَتَانِ، إِلَّا أَنَّهُ رَأَى أَنَّ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ كَالْمُفَسِّرَةِ لِلَّتِي فِي الْبَقَرَةِ فَتَأَوَّلَ أَنَّ قَوْلَهُ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى أَنَّ أَنْفُسَ الْأَحْرَارِ مُتَسَاوِيَةٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ دُونَ الْعَبِيدِ، وَأَنَّهُمْ يَتَكَافَئُونَ دِمَاؤُهُمْ ذُكُورًا كَانُوا أَمْ إِنَاثًا، وَأَنَّ أَنْفُسَ الْمَمَالِيكِ مُتَسَاوِيَةٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ دُونَ الْأَحْرَارِ تتكافأ دماؤهم ذكورا كانوا أم أناثا، وأنه لا قصاص للماليك على الأحرار فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ نَفْسٍ، وَلَا مَا دُونَهَا لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: الْحَرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَأَهْلِ الْحِجَازِ، لَا يَرَوْنَ أَنْ يُقْتَصَّ مِنَ الْحَرِّ لِلْمَمْلُوكِ فِي نَفْسٍ وَلَا غَيْرِهِمَا، وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ، فَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ رَأَى مِنْهُمْ أَنَّ آيَةَ: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ مَنْسُوخَةٌ نَسَخَتْهَا: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ فِي قَوْلِهِ، فَيَجْعَلُونَ بَيْنَ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ خَاصَّةً وَلَا يَرَوْنَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ قِصَاصًا"

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:"وَالْقَوْلُ الَّذِي نَخْتَارُهُ فِي هَذَا مَا قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَتَيْنِ أَحَدِهِمَا: تَأْوِيلُ الْقُرْآنِ الَّذِي فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْأُخْرَى أَنَّهُ قَوْلٌ يُوَافِقُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَلَا يَخْتَلِفُ، وَأَمَّا الْقَوْلُ الْآخَرُ فَلَيْسَ بِمُتَّفِقٍ مِنَ التَّنْزِيلِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ، فَأَخَذَ هَؤُلَاءِ بِأَوَّلِ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَتَرَكُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَيَأْخُذَ بِبَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ إِلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ ذَلِكَ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ، فَهَذَا مَا نُسِخَ مِنْ حُدُودِ الْقُرْآنِ .."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت