إن هذا لا يجيء اتفاقا ومصادفة لمجرد السرد، ولا يجيء كذلك بعيدا عن جو السياق وأهدافه .. إنما هو يجيء في موضعه من السياق، ولحكمته في نظم القرآن ..
إنها - أولا - لفتة إلى لون آخر من الطيبات .. طيبات الروح الخالصة .. إلى جانب طيبات الطعام والنساء .. لون يجد فيه قلب المؤمن ما لا يجده في سائر المتاع. إنه متاع اللقاء مع اللّه، في جو من الطهر والخشوع والنقاء .. فلما فرغ من الحديث عن متاع الطعام والزواج ارتقى إلى متاع الطهارة والصلاة استكمالا لألوان المتاع الطيبة في حياة الإنسان .. والتي بها يتكامل وجود «الإنسان» .
ثم اللفتة الثانية .. إن أحكام الطهارة والصلاة كأحكام الطعام والنكاح كأحكام الصيد في الحل والحرمة كأحكام التعامل مع الناس في السلم والحرب ... كبقية الأحكام التالية في السورة ... كلها عبادة للّه. وكلها دين اللّه. فلا انفصام في هذا الدين بين ما اصطلح أخيرا - في الفقه - على تسميته «بأحكام العبادات» ،وما اصطلح على تسميته «بأحكام المعاملات» ..
هذه التفرقة - التي اصطنعها «الفقه» حسب مقتضيات «التصنيف» و «التبويب» - لا وجود لها في أصل المنهج الرباني، ولا في أصل الشريعة الإسلامية .. إن هذا المنهج يتألف من هذه وتلك على السواء. وحكم هذه كحكم تلك في أنها تؤلف دين اللّه وشريعته ومنهجه وليست هذه بأولى من تلك في الطاعة والاتباع. لا، بل إن أحد الشطرين لا يقوم بغير الآخر. والدين لا يستقيم إلا بتحققهما في حياة الجماعة المسلمة على السواء. كلها «عقود» من التي أمر اللّه المؤمنين في شأنها بالوفاء. وكلها «عبادات» يؤديها المسلم بنية القربى إلى اللّه. وكلها «إسلام» وإقرار من المسلم بعبوديته للّه.
ليس هنالك «عبادات» وحدها و «معاملات» وحدها .. إلا في «التصنيف الفقهي» .. وكلتا العبادات والمعاملات بمعناها هذا الاصطلاحي .. كلها «عبادات» و «فرائض» و «عقود» مع اللّه. والإخلال بشيء منها إخلال بعقد الإيمان مع اللّه [1] !
وهذه هي اللفتة التي يشير إليها النسق القرآني وهو يوالي عرض هذه الأحكام المتنوعة في السياق: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ... » ..
إن الصلاة لقاء مع اللّه، ووقوف بين يديه - سبحانه - ودعاء مرفوع إليه، ونجوى وإسرار. فلا بد لهذا الموقف من استعداد. لا بد من تطهر جسدي يصاحبه تهيؤ روحي. ومن هنا كان الوضوء - فيما نحسب والعلم للّه - وهذه هي فرائضه المنصوص عليها في هذه الآية: غسل الوجه. وغسل الأيدي إلى المرافق. ومسح الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين .. وحول هذه الفرائض خلافات فقهية يسيرة .. أهمها هل هذه الفرائض على الترتيب الذي ذكرت به؟ أم هي تجزئ على غير ترتيب؟ قولان ..
هذا في الحدث الأصغر .. أما الجنابة - سواء بالمباشرة أو الاحتلام - فتوجب الاغتسال ..
(1) - يراجع فصل: «الشمول» في كتاب: «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» . «دار الشروق» . (السيد رحمه الله)