المعاملات التي يراعى فيها الظاهر. والظاهر في العبادات لا يجدي ما لم يقم على تقوى القلوب. وإذا وجدت التقوى لم يتفلت متفلت، ولم يستخدم الرخصة إلا حيث يرتضيها قلبه، ويراها هي الأولى، ويحس أن طاعة اللّه في أن يأخذ بها في الحالة التي يواجهها.
أما تشديد الأحكام جملة في العبادات أو الميل إلى التضييق من إطلاق الرخص التي أطلقتها النصوص، فقد ينشيء حرجا لبعض المتحرجين. في الوقت الذي لا يجدي كثيرا في تقويم المتفلتين .. والأولى على كل حال أن نأخذ الأمور بالصورة التي أرادها اللّه في هذا الدين. فهو أحكم منا وأعلم بما وراء رخصه وعزائمه من مصالح قريبة وبعيدة .. وهذا هو جماع القول في هذا المجال.
بقي أن نثبت هنا بعض ما روي من السنة في حالات متعددة من حالات السفر، في بعضها كان التوجيه إلى الفطر وفي بعضها لم يقع نهي عن الصيام .. وهي بمجموعها تساعد على تصور ما كان عليه السلف الصالح من إدراك للأمر، قبل أن تأخذ الأحكام شكل التقعيد الفقهي على أيدي الفقهاء المتأخرين. وصورة سلوك أولئك السلف - رضوان اللّه عليهم - أملأ بالحيوية، وألصق بروح هذا الدين وطبيعته، من البحوث الفقهية ومن شأن الحياة معها وفي جوها أن تنشئ في القلب مذاقا حيّا لهذه العقيدة وخصائصها:
1 -عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِى رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» . (أخرجه مسلم) [1] .
2 -وعَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فِى السَّفَرِ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ - قَالَ - فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِى يَوْمٍ حَارٍّ أَكْثَرُنَا ظِلاًّ صَاحِبُ الْكِسَاءِ وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِى الشَّمْسَ بِيَدِهِ - قَالَ - فَسَقَطَ الصُّوَّامُ وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ فَضَرَبُوا الأَبْنِيَةَ وَسَقَوُا الرِّكَابَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ» . (أخرجه مسلم) [2] .
3 -وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهم - قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا، وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ «مَا هَذَا» .فَقَالُوا صَائِمٌ. فَقَالَ «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِى السَّفَرِ» ... (أخرجه البخاري) [3]
(1) - صحيح مسلم- المكنز - (2666)
(2) - صحيح مسلم- المكنز - (2678)
(3) - صحيح البخارى- المكنز - (1946)