فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 424

هي المؤتمنة على هذه الأمانة الضخمة وأنها هي الوصية على البشرية لتقيم فيها منهج اللّه، وتقوم عليه بأمانة اللّه.

ولقد كان هذا الاختبار بالصيد السهل في أثناء فترة الإحرام أحد الاختبارات التي اجتازتها هذه الأمة بنجاح. وكانت عناية اللّه - سبحانه - بتربية هذه الأمة بمثل هذه الاختبارات من مظاهر رعايته واصطفائه. ولقد كشف اللّه للذين آمنوا في هذا الحادث عن حكمة الابتلاء: «لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ» .. إن مخافة اللّه بالغيب هي قاعدة هذه العقيدة في ضمير المسلم. القاعدة الصلبة التي يقوم عليها بناء العقيدة، وبناء السلوك، وتناط بها أمانة الخلافة في الأرض بمنهج اللّه القويم ..

إن الناس لا يرون اللّه ولكنهم يجدونه في نفوسهم حين يؤمنون .. إنه تعالى بالنسبة لهم غيب، ولكن قلوبهم تعرفه بالغيب وتخافه. إن استقرار هذه الحقيقة الهائلة - حقيقة الإيمان باللّه بالغيب ومخافته - والاستغناء عن رؤية الحس والمشاهدة والشعور بهذا الغيب شعورا يوازي - بل يرجح - الشهادة حتى ليؤدي المؤمن شهادة: بأن لا إله إلا اللّه. وهو لم ير اللّه .. إن استقرار هذه الحقيقة على هذا النحو يعبر عن نقلة ضخمة في ارتقاء الكائن البشري، وانطلاق طاقاته الفطرية، واستخدام أجهزته المركوزة في تكوينه الفطري على الوجه الأكمل وابتعاده - بمقدار هذا الارتقاء - عن عالم البهيمة التي لا تعرف الغيب - بالمستوى الذي تهيأ له الإنسان - بينما يعبر انغلاق روحه عن رؤية ما وراء الحس، وانكماش إحساسه في دائرة المحسوس، عن تعطل أجهزة الالتقاط والاتصال الراقية فيه وانتكاسه إلى المستوي الحيواني في الحس «المادي» ! ومن ثم يجعلها اللّه سبحانه حكمة لهذا الابتلاء ويكشف للذين آمنوا عن هذه الحكمة كي تحتشد نفوسهم لتحقيقها ..

واللّه سبحانه يعلم علما لدنّياّ من يخافه بالغيب. ولكنه - سبحانه - لا يحاسب الناس على ما يعلمه عنهم علما. لدنيا. إنما يحاسبهم على ما يقع منهم فيعلمه اللّه - سبحانه - علم وقوع ..

«فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ» .. فقد أخبر بالابتلاء، وعرف حكمة تعرضه له، وحذر من الوقوع فيه وبذلت له كل أسباب النجاح فيه ..

فإذا هو اعتدى - بعد ذلك - كان العذاب الأليم جزاء حقا وعدلا وقد اختار بنفسه هذا الجزاء واستحقه فعلا. [1]

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 1384)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت